السيرة العربية.. المنع أو الذاتية المفرطة | واسيني الأعرج
سيرة وفق المقاييس الحياتيَّة والأخلاقيَّة المحددة سلفًا، ممَّا يقصي صدق الكتابة السيرية الذي يشكل حجر الزاوية في هذا الجنس ذي الخصوصية والتمايز. وإمّا سيرة أسطوريَّة، سوبرمانيَّة لا علاقة لها بالمعطى البشري والإنساني مهما كانت مواهبه وخوارقه. ويصبح الفرد كل شيء في السيرة المكتوبة، ولولاه لانهارت البلاد، وربما العالم. نرى هذا كثيرًا في بعض السير القياديَّة والنضاليَّة والعسكريَّة التي يكتبها أصحابها وهم على يقين أنهم الوحيدون المالكون للحقيقة المطلقة. لهذا يصبح سؤال الكتابة السيرية ليس ترفًا ثقافيًّا ولكنه ضرورة تقتضي كل الحذر من السقوط في المبالغة. فأيّة مبالغة هي إقصاء للمقروئيَّة الافتراضيَّة، وقتل للجنس نفسه وخصوصياته. في مجتمع عربي تشكل فيه حياة الفرد الخاصة، مساحة مقدَّسة لا يمكن الاقتراب منها، كيف يكتب الكاتب سيرته بحريَّة، من دون المرور على محطات البتر والتحوير والتغيير بشكل يجعل ما يكتبه منسجمًا مع السياق العام؟ سؤال ليس ثانويًّا عندما نعرف الثمن الأخلاقي الذي دفعه بعض الكتَّاب الذين اختاروا الحرية منهجًا لكتابة سيرهم الخاصة، متخطين عتبة الخوف، كالروائي المغربي محمد شكري، الذي عندما نشر سيرته: الخبز الحافي، ألصقت به كل الصفات اللاأخلاقية الظالمة، وتمّ عزلها عن سياقها، وتضخيمها بشكل مبالغ فيه، على الرغم من أن شكري صوّر حياة طفل في منطقة الريف البربريَّة، الجبليَّة المعزولة عن كل مظاهر الحياة المعاصرة، يعيش سكانها على تهريب المخدرات، وفي مدينة طنجة الشديدة القسوة. مكانان يُشبهان الأدغال، البقاء فيهما، سواء الجبال أو المدينة، للأقوى والأكثر بطشًا. وكان على شكري أن يقاتل مثل أي حيوان مهدد بالانقراض، يجهد نفسه من أجل الاستمرار والبقاء، في ظل حياة مهددة في كل ثانية. سهيل إدريس في سيرته الشخصيَّة والعائليَّة لم يخرج عن هذا السياق. فقد كانت ردود فعل الأهل عنيفة لدرجة أن قال تحت الغصب: خذوا اسمكم إدريس واتركوا لي اسمي فقط. اعتقاد العائلة هو أن الدكتور سهيل شوّه صورة والدهم عندما تحدث عن جانبه الأخلاقي المرتبك لدرجة، فكان أن صادرت العائلة والدار، الجزء الثاني من السيرة لأسباب عائليَّة، ولأن السيرة تمس ناسا كثيرين ما يزالون أحياء. السيرة الذاتية تطرح هنا مسألة أخلاقية شديدة الحساسية. إذا أعطينا لأنفسنا الحق في اقتسام أسرارنا مع قرائنا، فهل لنا الحق في كشف حياة ممن تقاطعنا معهم؟ الشيء نفسه يُقال عن غادة السمان عندما نشرت رسائل غسان كنفاني لها، وأقام الأصدقاء ومحبو كنفاني، وعائلته، والمقربون من أهله، والمؤسسات السياسية الفلسطينية المختلفة، الأرض ولم يقعدوها وكأن القائد السياسي، والإنسان العام، يقع خارج أجمل وأنبل خاصيَّة وجوديَّة وهي الحب. لهذا، فالصراحة في مثل هذا الجنس الأدبي والثقافي، ثمن يدفع كاش، مباشرة ولا ينتظر. التقييم في النهاية خاضع للثقافة المجتمعيَّة المهيمنة. على العكس من المجتمع الغربي، حيث قيمة الفرد متعالية على كل شيء ولا تُمَس. ومن حق هذه الفردية أن تتجلَّى إنسانيًّا. ولكن هل التجلي يعني تحويل الفرد إلى مركز للعالم كما يتبدى في بعض سيرنا العربيَّة؟ إذ يكتب الشخص سيرته لا ليبين شبكة الحياة المعقدة التي تسجن الإنسان داخل خيوط شبيهة بخيوط العنكبوت، ولكن ليظهر ذكاءه الخارق في مواجهة كل ما اعترض طريقه، ولا نرى الحد الأدنى الذي يصنع هشاشة الإنسان التي تؤكد على إنسانيته العالية والكبيرة. لا توجد في حياة الإنسان الذي نعرفه اليوم، إلاَّ الفتوحات والخوارق والاستثناءات لكن توجد أيضًا الهزائم الصغيرة الموقظة للفعل الإبداعي الحي. ليس من الضرورة أن نسيء لأنفسنا وللآخرين الذين منحونا بعضًا من أجمل لحظات العمر، لتكون سيرتنا جريئة، في الوقت نفسه لا يمكن أن نتصور سيرة خارج حياتنا التي عشناها. نحن نوجد في زمن لا نختاره أبدًا. لكن كل هذا يصطدم بمواصفات مجتمع يجب توصيفه حاليًّا بشكله الحقيقي وليس مثلما نحلم: مجتمع غير ديمقراطي، مصاب بالعمى الواسع، ولا يرى إلاَّ ما يشتهي رؤيته. مجتمع تغلب عليه الأميَّة الفعليَّة أو الثقافيَّة، يحكم قبل أن يحاول أن يفهم.
ويصبح الحديث ممنوعًا عن تجربة حميميَّة ذاتيَّة عاديَّة خضعت لاشتراطات ومسبقات كثيرة حتى قبل نشرها وتوزيعها، صنعت البنية النفسيَّة للكاتب في طفولته أو في فترة بلوغه. وهي مهمّة في فهمنا للمنجز الإبداعي لكاتب ما من الكتاب. في ظل هذه المسبقات الرقابيَّة، يصبح من المستحيل تطور جنس اسمه السيرة الذاتيَّة. كتابة هذا الجنس بصدق وحريَّة تضع تجربة الكاتب في أفقها الإنساني، في كل انكساراتها ونجاحاتها أيضًا، هو السبيل الأوحد للخروج به من دائرة الضيق والموت الذي يتهدده، والأحكام الظالمة.
للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS
تبدأ بالرمز (124) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى
88591 - Stc
635031 - Mobily
737221 - Zain
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 668
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 772
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 647
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 641
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 633
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 841
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...