Tuesday, April 21, 2026

All the News That's Fit to Print

ببلاهةٍ بالغة، تقترن بالبلادة الفكرية والعلمية والسياسية، ينظر صناع القرار العالمي إلى مشاهد الأسبوع الماضي في أمريكا وأوروبا، دونما قدرةٍ على الربط بين أسبابها ومآلاتها القادمة.
ففي نفس اليوم، خلال

الأسبوع المذكور، كان إرهابي مجنون يقتل أكثر من خمسين شخصاً في مدينة أورلاندو الأمريكية، وكان آلاف مشجعي كرة القدم يشتبكون كالحيوانات الضارية في شوارع المدن الفرنسية، بينما مئات الآلاف من الفرنسيين يخرجون في مظاهرات غاضبة ضد حكومتهم، سقط فيها الكثير من الضحايا.
الأول يمارس القتل باسم فصيلٍ متوحش اسمه (داعش)، يدعي احتكار الإسلام. والمشجعون يتعاركون ببشاعةٍ تفتقر إلى الإنسانية باسم الرياضة. والمتظاهرون يعترضون، وأحياناً بعنف، باسم الحصول على حقوقهم في وجه قرارات اقتصادية يرونها ظالمة ومُجحفة بحقهم.
وبينما الأصل في الإسلام، كما في الرياضة والسياسة، أن يكون مدخلُ التعامل مع الاختلاف والتنافس والبحث عن الحقوق بأساليب وممارسات سلمية لا علاقة لها بالعنف من قريب أو بعيد، يفرض العنف نفسه بشكلٍ متزايد اليوم على إنسان العصر في كل مجال، كوسيلة للتعبير عن مشاعره أياً كانت. فلماذا لا يفرض السؤال نفسه بجديةٍ في هذا العالم؟.
ثمة مآسٍ كثيرة تملأ أرجاء الأرض اليوم. لكن المأساة الكبرى تكمن في افتقاد صناع القرار العالمي على الربط بين هذه الظواهر، ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وعلى قراءة قوانين الاجتماع البشري التي تحكم حصولها، وقراءة التاريخ الذي ملﱠ من تكرار دروسها.
العنف هو العنف، لا يمكن الهروب من دلالاته في مكان وتأكيدها في مكانٍ آخر. وإذ يجري التأكيد الشديد على صفة العنف فيما جرى في أورلاندو، يندر التفكير والحديث عن معنى حاجة مشجعين للرياضة إلى العنف، والعنف الشديد، وهي المجال الذي يُفترض أنه أكثر فعاليات النشاط الإنساني سلميةً ومدعاةً للتواصل الراقي بين الشعوب.
وفي حمأة توظيف السياسة لمصالح وأنانيات وأيديولوجيات شخصية واقتصادية فردية ومؤسسية دولية كبرى، يجري خلط الأوراق. وإلا فما معنى تلك المشاهد الدموية والاشتباكات التي تنم عن حقدٍ وعداوةٍ لا مثيل لها بين بشر يُفترض أنهم ينتمون لأوروبا التنوير والإنسانية والتسامح؟ وكيف يجري تمرير معاني هذا الحدث، كما جرى وسيجري بالتأكيد، بالتناسي والتلاعب بتسمية أسبابه ودواعيه بغير ما هي عليها؟.
تصدقُ في هذا المجال افتتاحية نادرة يجدها المرء، بعد بحثٍ طويل، في موقع إعلامي إسباني باسم (كاطالونيا)، يقول فيها: «في الوقت الذي كانت فيه فرنسا محتضنة بطولة كأس أوروبا للأمم في كرة القدم، تملأ الدنيا بأخبار تشديد الحراسة والقيام بكل الإجراءات الاحترازية لمنع أي اعتداء (إرهابي) خارجي أو أحداث ينفذها مسلمون يوالون (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، جاء ما لم يكن تنتظره باريس ومعها باقي العالم. إذ بإرهابٍ من أبناء أوروبا يضرب البطولة، المتمثل في أعمال الشغب والصدامات الدموية بين جمهوري الهوليكانز الإنجليز والأتراس الروسي في مارسيليا. فلم يعد الأمر يتعلق بخلافات كروية عابرة، بل صار جدياً إلى الدرجة التي جعلت وزارة الداخلية الفرنسية والاتحاد الأوروبي يهددان بإلغاء البطولة إن استمر إرهاب الجماهير الكروية».
على مستوىً آخر. يشتد الصراع الاقتصادي العالمي القائم على الجشع والاستغلال، فيختل ميزانه بين الدول المختلفة. يؤثر الأمر على فرنسا، فلا تقوم حكومتها بما عليها من سياسات لتُرضي مواطنيها. يخرج هؤلاء بمئات الآلاف في احتجاجات صاخبة، ليست وليدة اليوم بل مستمرة منذ شهور. يُلفلَفُ الوضع، كما سنرى، بعد أسابيع ببعض السياسات التجميلية، لكن الحل الرئيس يبقى في توجيه غضب الفرنسيين تجاه (البعبع) الأسهل: الأقليات التي (تنهب) أموال المواطنين الأصليين، ثم تشوهُ ثقافتهم الراقية. تنصبﱡ سهام الإعلام والسياسة على هؤلاء وتُوجه لهم سياسات التمييز والمضايقة والحرمان. تَصبرُ على هذا الوضع المأساوي ملايين تلك الأقليات، ثم ينفجر بسببه أفرادٌ بعدد أصابع اليد الواحدة. فتنسى فرنسا، ومعها العالم بأسره، كل ما سبق، ويجد العالم (المتحضر) نفسه أخيراً أمام المشكلة الحقيقية: الإرهاب الإسلامي! ويجد معه الحل الجذري لكل مشكلات الكرة الأرضية.
قد يفهم المرء غياب ساسةٍ يربطون الظواهر ويقرؤون التاريخ، في نظامٍ دولي لم تعد ثمة علاقة له بأخلاق وثقافة وقيم إنسانية. لكن دلائل سير البشرية، الواضحة والحثيثة، نحو الفوضى الكبيرة القادمة تتجلى في تواري من يُفترض فيهم أن يكونوا حُراسها الحقيقيين، مثقفين وحقوقيين وخبراء وعلماء.

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS

تبدأ بالرمز (80) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى

88591 - Stc

635031 - Mobily

737221 - Zain

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...