في ملابسات (انتحار) القارة العجوز | وائل مرزا
أما وجه المفارقة فيكمن في أن وصول القارة إلى الفوضى التي بدأت رسمياً منذ يومين فيها، مع قرار خروج بريطانيا منها باستفتاءٍ شعبي، يمكن أن يرجع في جزءٍ كبير منه إلى مسألة اللجوء. وهي مسألةٌ فاقَمها لجوء السوريين إليه خلال العامين الماضيين، ولو نفسياً.
نستخدم كلمة (نفسياً) لأن ثمة نفاقاً كبيراً يتعلق بالموضوع حين ننظر إليه بلغة الأرقام. فحسب الأرقام الأوربية نفسها، هناك قرابة 150 ألف لاجىء سوري فيها بين من حصل على اللجوء ومَن ينتظره. وإذا قارنا هذا الرقم بعدد اللاجئين السوريين في الخارج (أكثر من 5 ملايين) من ناحية، وبعدد سكان دول الاتحاد الأوروبي فقط، والبالغ أكثر من 508 مليون إنسان، من ناحيةٍ أخرى، يمكن إدراك حجم النفاق وخلط الأوراق فيما يتعلق بهذه القضية.
كان اللجوء أزمةً تخاف منها دول الاتحاد الأوربي على الدوام، وقد بات شماعةً يتم تعليق مشكلاتها الاقتصادية والسياسية عليها. بدأ الأمر مع الشكوى من مهاجري شمال إفريقية، ثم تصاعد بشكلٍ حقيقي مع الأعداد الكبيرة التي لجأت إليه من أوروبا الشرقية، لكن لجوء السوريين أخيراً، ومعهم عراقيون وعربٌ آخرون، كان العذر الذي ينتظره متطرفو أوروبا لتهييج شعوبهم.
في تحقيقٍ لها منذ شهر من مدينة بيتيربورو شمال لندن، والتي تُعتبرُ أقل مدينة فيها شعبية تجاه الاتحاد الأوربي في بريطانيا، نقلت صحيفة الواشنطن بوست تصريحاً لأحد مواطنيها يعبر عن حالهم قال فيه مشيراً إلى شارع المدينة الرئيسي: «كان هذا عادةً هو الجزء الراقي من بيتيربورو. انظر إليه الآن، الرومانيون يبولون في الحديقة، والليثوانيون يقارعون الكحول ويتعاطون المخدرات في الشارع. حتى الفئران هنا باتت مدمنةً على الهيروين».
يجب الانتباه هنا إلى أن من يُسمَّون «متطرفين» يخدمون في الحقيقة أجندة الساسة الفاشلين في أوروبا، لأنهم يلفتون الانتباه عن المشكلات الحقيقية التي لا ينجح أولئك الساسة في حلها. هكذا، تبدو تصريحات رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، تعليقاً على الاستفتاء البريطاني، في سياقها حين قال: إن تأييد البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي يُظهر أن على بروكسيل أن تستمع لصوت الشعوب وتقدم حلولاً ملائمة للقضايا المهمة مثل قضية الهجرة. المعروفُ طبعاً أن الرجل وحكومته من أشد الناس تعصباً ضد المهاجرين، وهما من تعامل معهم بوحشيةٍ غير مسبوقة.
لم تفكر أوروبا يوماً، منذ بداية الثورة السورية قبل أكثر من خمس سنوات، بشكلٍ استراتيجي حقيقي في مآلات ما يحدث في سوريا. لم تتأمل في معطيات الجغرافيا السياسية والتاريخ المشترك بينها وبين الجوار العربي بشكلٍ عام. بقيت تتفرج على ما يجب أن يكون في نظرها، في أقل الأحوال، أكبر مأساةٍ إنسانية يشهدها العالم في التاريخ المعاصر، بكل تفاعلاتها الأمنية والديموغرافية والاقتصادية والثقافية، دون أن تقوم بجهدٍ حقيقي ينسجم مع تاريخها وثقافتها وإمكاناتها ومبادئها المعلنة لتتعامل مع قضيةٍ، بدا باضطراد، أن تأثيرها سيصل إليها.
الأسوأ من هذا، أن أوروبا فوضت أمر التعامل مع الوضع السوري بشكلٍ كامل للولايات المتحدة، وهي تعلم تماماً أن هذه الأخيرة تعمل لمصالحها فقط نهايةَ المطاف. وحين يتعلق الأمر بالتَبعات السلبية لمثل هذا الوضع المتفجر على كل مستوىً، فإن أمريكا ستلملم أوراقها وتنسحب إلى موقعها الآمن على بعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر من سوريا. وعلى سبيل التلاعب بالأفكار والكلمات، يُشاعُ القول بأن التهديد الأمني الذي تشهده أوروبا وأمريكا متشابه. ففي حين ينحصر ذلك التهديد في عمليات فردية عشوائية في أمريكا، تدخل أوروبا في خضم فوضى عارمة اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً وسياسياً. وها هي ذي الدعوات تتصاعد في فرنسا وهولندا وغيرها من دول الاتحاد الأوربي للاستفتاء على مغادرته كما فعل البريطانيون. وها هو اليورو، ومعه الجنيه الاسترليني، يهويان إلى قرابة دولار أمريكي بعد أن كانا يتشاوفان عليه منذ سنوات.
ربما تكون كلمة (انتحار) دراميةً شيئاً ما، لكن مقارنة الوضع في أوروبا اليوم بالأحلام التي عاشها أهلها عندما بدأت مسيرة الاتحاد عام 1950، واحتمال ضياع الجهود والإنجازات التي حصلت على مدى عقود يبدو قوياً أكثر من أي يومٍ مضى، وهذا في حسابات قوانين الاجتماع البشري أقرب ما يكون للانتحار.
للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS
تبدأ بالرمز (80) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى
88591 - Stc
635031 - Mobily
737221 - Zain
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 670
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 775
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 647
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 642
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 634
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 842
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...