Tuesday, April 21, 2026

All the News That's Fit to Print

كل المجتمعات الراسخة في وحدتها الوطنية، لم تصل إلى حالة من الرسوخ في وحدتها الوطنية إلا باحترام كل حقائق التنوع الموجودة في مجتمعها ووطنها

على المستوى الإنساني والاجتماعي، ثمة حقائق ثابتة وشاخصة لا يمكن النظر إلى الواقع الإنساني بدونها.. ولعل من أبرز هذه الحقائق، هي حقيقة الاختلاف والتنوع الثقافي الموجودة في الحياة الإنسانية.. ونظرة واحدة إلى الأطلس الأنثروبولوجي، نكتشف فيه أن التنوع الثقافي والديني والقومي والاثني من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها أو التغافل عنها.. وعلى ضوء هذه الحقيقة فإن جميع المجتمعات الإنسانية تعيش حالة التنوع والتعدد على مختلف الصعد والمستويات..

فالمجتمعات المتحدة دينياً، بمعنى أن جميع أبناء المجتمع ينتمون إلى دين سماوي واحد، فإن هذا المجتمع المتحد دينياً، متنوع مذهبياً وقومياً وإثنياً.

وإذا كان المجتمع متحدا قومياً فهو متنوع دينياً أو مذهبياً أو إثنياً.. وعليه فإن التنوع في حياة المجتمعات الإنسانية من الحقائق الثابتة، التي لا يمكن تجاوزها أو التغافل عنها..

وكل الوحدات الاجتماعية والوطنية، لا تبنى على أنقاض دحر حقائق التنوع الموجودة في الحياة الاجتماعية، وإنما تبنى باحترام حقائق التنوع. فالوحدة القائمة على احترام حقائق التنوعات، هي الوحدة القادرة على استيعاب كل الخصوصيات وتجاوز نزعات الإلغاء لبعض التنوعات..

فحقائق التنوع في كل الدوائر، ليست حقائق مناقضة لوحدة المجتمع أو الوطن.. وإنما كل الأوطان والمجتمعات الإنسانية، لم تقبض على وحدتها إلا حينما احترمت حقائق تنوعها..

أما المجتمعات التي حاربت تنوعها بوصفه أحد شروط وحدتها، فهي لم تحافظ على ثروتها المعرفية والإنسانية، وفي ذات الوقت لم تبنِ وحدتها على أسس ومرتكزات صلبة ومتينة..

وعليه فإن طريق وحدة الأوطان والمجتمعات المتنوعة، هو احترام كل حقائق التنوع دون الانحباس فيها.. وعلى قاعدة هذا الاحترام يتم بناء حقائق الوحدة الوطنية والاجتماعية..

وفي الإطار العربي وبفعل عوامل عديدة ثقافية واجتماعية وسياسية، ثمة سلوك غير قويم في طريقة التعامل مع الاختلافات وحقائق التنوع وبين صيانة حقوق المختلف والمتنوع..

وفي أغلب الأحيان يكون الاختلاف في أي دائرة من دوائر التنوع مدعاة إلى عدم الاهتمام والعناية بحقوقه المادية والمعنوية..

بحيث يكون الاختلاف الديني أو المذهبي أو القومي أو الإثني مدعاة إلى تجاوز حقوق هذا المختلف سواء أكانت هذه الحقوق مادية أو معنوية.. لذلك فإن حقائق التنوع في المجتمعات العربية ليست من علامات القوة والمنعة، وإنما هي من علامات وجود مشكلات وأزمات تتعلق بطبيعة التعامل مع المجموعات البشرية التي تنتمي دينياً أو مذهبياً أو قومياً أو إثنياً غير ما تنتمي إليه أكثرية أهل المجتمع أو الوطن..

ودون الدخول في مضاربات فكرية أو أيدلوجية فإننا نرى أن المجتمعات العربية معنية ببناء مقاربة جديدة في طريقة تعاملها مع حقائق التنوع الموجودة فيها.. وهذه المقاربة لا تضحي بعزتها ووحدتها، وفي ذات الوقت لا تضحي بتنوعها الذي هو من الحقائق الثابتة في مجتمعها ووطنها. ونحن نرى أن المجتمعات المتنوعة التي بنت وحدتها الوطنية، لم تتمكن من بناء وحدتها الوطنية بالتضحية بحقائق تنوعها، وإنما بنت وحدتها الوطنية على قاعدة احترام كل حقائق التنوع دون أن ينحبس أهل هذه التنوعات بعيداً عن السياق الوطني الواحد والجامع لكل التنوعات.. ودائماً الدول الوطنية قادرة على بناء تجربتها الوطنية على أساس احترام كل التنوعات التي يحملها المواطنون..

وعلى أساس هذه القناعة الراسخة يتم صيانة حقوق كل المجموعات البشرية في السياق الوطني الواحد والجامع لكل المواطنين..

بحيث لا يكون الاختلاف في أي دائرة من دوائر الاختلاف مدعاة إلى عدم العناية بحقوقه المادية أو المعنوية..

وإن الوحدة الوطنية أو الاجتماعية، لا تبنى على أنقاض حقائق التنوع، وإنما تبنى باحترام هذه الحقائق..

وكل المجتمعات الراسخة في وحدتها الوطنية، لم تصل إلى حالة من الرسوخ في وحدتها الوطنية إلا باحترام كل حقائق التنوع الموجودة في مجتمعها ووطنها..

وعلى ضوء هذه الحقيقة نصل إلى قناعة فكرية أخرى، نابعة من كل التجارب الوحدوية على مستوى الأوطان والمجتمعات.. وهي أن الذي يقف ضد حقائق التنوع، هو ذاته الذي يقف ضد وحدة الأوطان والمجتمعات. لأن الذي يقف ضد حقائق التنوع، يريد الوطن بمقاسه الاجتماعي والأيديولوجي.. والأوطان لا تبنى بمقاس واحد من أبناء الوطن، وإنما تبنى بمقاس الجميع.. وعليه فإن الذي يحارب حقائق التنوع لن يكون سنداً قوياً في مشروع الوحدة الوطنية.. وعليه فإننا نرى أن الأولوية بالنسبة لجميع أبناء الوطن الواحد، هي تعزيز الوحدة الوطنية وتصليبها أمام كل المخاطر والتحديات..

ولا تصليب واقعيا للوحدة الوطنية، إلا بمقاربة فكرية واجتماعية وسياسية لظاهرة التنوع الموجودة في المجتمع.. فحينما نحسن التعامل مع حقائق التنوع الموجودة في المجتمع، فإن التعامل الحسن ينعكس إيجاباً على مستوى صلابة ومتانة الوحدة الوطنية والاجتماعية..

لذلك كله تعالوا جميعاً نعزز وحدتنا الوطنية عن طريق التعامل الحضاري مع حقائق التنوع في مجتمعنا.. والتعامل الحضاري ليس مقولة هلامية، وإنما هو يعني الاحترام، وبناء السياق الوطني بعيداً عن التعصب وبث الكراهية، حتى يشعر الجميع بالطمأنينة والاستقرار النفسي والاجتماعي..

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...