العصبية أحقيقة أم افتراء؟!
لقد انسقنا طواعية لتوطيد هذا المفهوم في الأدب، وفي دراسة الشعر وكل ما تنتجه محابرنا حتى كادت أن تجف مؤمنين به ومسلِّمين بمداراته! دونما تعمق في جيناتنا وفي إرثنا! شيء عجيب بألا نتأمل ذواتنا وتاريخنا وما كان عليه أجدادنا من شيم المروءة حتى في الخصام!
فسر الباحثون الذود نوعا من العصبية، بينما خاصية الذود عن المكان، هي خاصية الانتماء المتجذرة فيهم
فإذا ما تتبعنا أنساب وأعراق أمهات العرب، كانت المفاجأة أنهن عملن على نسيج عرضي بين جميع القبائل بأزواجهن وأبنائهن ما ينتفي معه هذا المفهوم، فهذا النسيج العرضي عمل على تدفق الدماء بين بعضهم البعض فلا يدع للعصبية من سبيل.
وعلى سبيل المثال: (الكنود بنت لحيان): فهي كما ورد في كتاب جمهرة الأنساب للكلبي، أنها بنت لحيان بن هذيل إذاً فهي من قبائل هذيل وفي الوقت نفسه نجدها ـ أم ـ الحارث ومعاوية وعوف وهم أبناء تيم بن سعد وعليه فهي جدة بني تميم. أيضا (الفرعة بنت شفرة بن الحارث بن تيم بن مرة بن أدّ) وبهذا تكون الفرعة بنت شقرة وأرية بنت قرط هما جدتي العرب. فمنهما تكونت القبائل والبطون، ـ أم ـ تميم وخناعة وحبيب، ومتعة، ورهما وغنما ودهما وريتا وهو عوف. وكما نجد أيضا في كتاب سبائك الذهب لمعرفة أنساب العرب أن (أسماء بنت سود بن أسلم بن الحارث بن قضاعة)ـ هي أم ـ قيس بن عيلان بن نزار بن معد بن عدنان بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام؛ وأن (ليلى بنت فران بن بلى بن عمرو بن لحاف بن قضاعة) وهي من لحاف ـ أم ـ هرمة وعميرة وسعد ولحيان أبناء هذيل بن مدركة بن مالك بن عمرو بن مرة.
وهنا تظهر لنا شبكة متشابكة من الدماء والأنساب وكذا سائر القبائل، فمن أين أتى مصطلح العصبية؟!
لقد فسرت الحروب الطاحنة التي كانت تقام بأنها كانت بفعل العصبية القبلية بينما هي حروب تنشأ بين إخوة وربما جيران في صراع على المكان أو الكلأ أو السائبة. ولم تكن بدافع العرق أو الجنس على الإطلاق، كما أن الفخر وهو سمة من سمات العربي قد فُسر تعصبا، بينما الفخر هو زينة العربي لأنه دافع نفسي يدرأ به الخوف من مجهول الصحراء المخيف ما يزيده قوة وحمية على عدو مجهول، فالصحراء على امتدادها تحمل المجهول، والمجهول هو ما يخشاه العربي بطبيعة الحال.
وقد فسر الباحثون الذود نوعا من العصبية، بينما خاصية الذود عن المكان، هي خاصية الانتماء المتجذرة فيهم؛ الانتماء للمكان الذي قد يحوي بعض المستجيرين والوافدين فأصبحوا بمرور الوقت من لحمة المكان والقبيلة عن طريق المصاهرة والسرارة وما إلى ذلك، وبالتالي تكون الحمية على الأرض التي يعتبرها الفرد شرفه وعرضه، والذود عن الحمى أصبح لديهم نوعا من الشرف، وعليه لم يكن تعصبا؛ فالتعصب هو التحوصل داخل خلية تنبذ الغرباء، وهذا غير وارد كما ورد في أقوال هؤلاء الرحالة، بالرغم من أنهم يعتنقون دينا مغايرا لدينهم. ولذلك فهناك فرق دقيق بين قوة الانتماء للمكان الذي ذابت فيه الشخصية، وبين نبذ كل غير ذي صلة بأفكارهم ومعتقداتهم، وجنسهم. فهم لم يكونوا عدوانيين أو متعصبين ضد أي غريب كما أنهم قوم يركنون إلى المؤانسة والجماعة، ومن هنا ندرك الفرق بين الدفاع، والكراهية، ونبذ الآخر الذي لا يحمل سماتهم الفكرية والعقائدية، وهذا الفرق الدقيق يكمن في عمق التفريق بين العصبة، والعصبية، فالعصبة هي ترابط الجماعة على الخير أو على الحب والوئام أو على من انتهك قانونهم ودساتيرهم، أما العصبية فهي نبذ الآخر الذي لا ينتمي إليهم وذلك غير وارد فيما استقرأناه. وقد تكون العصبية فردية كل يتعصب لرأيه ولأفكاره في أي مكان في العالم، بينما نجد أنه لا مكان للفردية بينهم.
يقول "ويثسجنر" في كتابه فوق الرمال العربية والذي دونه في مطلع القرن التاسع عشر "إني دائم الحنين إلى الوحدة وذلك هو الشيء الوحيد الذي لا يشعر به البدوي طيلة حياته، فقد سألني الانجليز كثيرا هل شعرت بالوحدة في الصحراء؟ إنني لم أشعر يوما بالوحدة وأنا بين الأعراب لقد زرت مدنا عربية لا يعرفني فيها أحد، ودخلت أسواق العرب، وكنت إذا حييت بائعاً دعاني إلى الجلوس معه وأرسل في طلب الشاي وانضم إلينا أناس كثيرون، يسألونني عن حال مقصدي ولا يكتفون بذلك بل توجه إليَّ الدعوات من مختلف الأفراد للغداء والعشاء! ترى كيف يشعر مثل هذا العربي لو أنه زار انجلترا لأول مرة؟ إني لأرثي له فسيجد فارقاً كبيرا".
وحينما يقول ابن خلدون: "لا يصدق دفاعهم وذودهم إلا إذا كانوا عصبة لأنه بذلك تشتد شوكتهم ويُخشى جانبهم.. وتعظم رهبة العدو". فطبيعة الحال وكما نرصده إلى أي مدى تبلغ سلطة المكان؟! إذ إن وحشة الصحراء وشدة اتساعها، ووعورة أراضيها تترك في النفس شيئا من الترقب والحذر، وهذا شيء بدهي! ولذا تتكون المجموعات ليس أبناء عنصرية أو عصبية، وإنما للذود عن حياضهم وعن شرفهم ضد أي اعتداء؛ ولذلك نجد ابن خلدون يرد ذلك إلى ضد الأعداء وتخويفهم، فقال (تعظم من رهبة العدو) فالمسألة هنا تتعلق بالدفاع وليس بالتقسيم النفسي بين مجموعات الأفراد والجماعات، فالعرب هم من يشتهرون بقرى الضيف الغريب الذي لا يعرفونه، ويأنسون بالأغراب والأجانب ويسعون لنجدة كائن من كان.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 670
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 776
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 647
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 642
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 634
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 842
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...