Tuesday, April 21, 2026

All the News That's Fit to Print

الجريمة النكراء التي هزت أركان المجتمع الأسبوع الماضي، من نحر مراهقين داعشيين والدتهما، ليست إلا فتنة من الفتن التي باتت تحدق بنا، الفتنة التي ذكر الله سبحانه وتعالى مآل مشعليها بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيق) فالفتن كثيرة، ومنها فتنة شيطنة العقول وتدنيس القلوب بالخلط بين المفاهيم الدينية تحليلًا وتحريمًا، ومن ذلك تحريض الغوغاء والمراهقين على الجهاد والانغماس في بؤر حروب الآخرين، الأمر الذي استغله تنظيم داعش، اطمئنانًا إلى أن العقول التي يستهدفونها صارت مهيأة لقبول تحريضهم على قتل أقرب المقربين إليهم؛ بسبب ما تلقوه من شحن وتعبئة ذهنية من بعض الدعاة الذين حذرنا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتبرهم دعاة على أبواب جهنم، مَن أجابهم فيما يدعون إليه قذفوه فيها.

لابدّ من اجتراح خطاب ديني معتدل يجرّد الشباب المتطرف من غرائزه الوحشية، ويحول بينه والعودة إلى عصور التوحش والقتل وسفك الدماء، ويدفعه باتجاه فهم الآخرين واستيعابهم، بدلًا من تصنيفهم حسب انتماءاتهم الدينيّة والعرقيّة، بتكوين رؤية دينية، تدفع للتسامح مع الآخر..

ليس هناك أدهى ولا أشنع من قتل الأم التي لا يوجد مخلوق يماثلها في شفقتها وعطفها وحبها لأبنائها، فكيف استطاعت سكاكين الغدر أن تنفذ إلى أعماقها لتسلبها الحياة، وهي التي حملت ذينك المارقين في جوفها تسعة أشهر، وكانا يستمدان مقومات الحياة من خلالها، حيث يتنفسان ويتغذيان عبر الحبل السري الذي يربطهما بها، ذلك الحبل الذي وإن انقطع بعد الولادة لكنه يظل متصلا متدفقا حبا وحنانا ورعاية؟ يُروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بسبي فرأى فيه امرأة تحمل طفلاً لها وقد ألصقته بصدرها، فقال لأصحابه: أتظنون هذه ملقية ولدها في النار؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فقال: والله إنّ الله أرحم بعباده من هذه بولدها! فالرسول عندما أراد أن يبين مقدار رحمة الله بعباده لم يجد شاهدًا حيًا إلا الأم التي يدرك كل الخلق مقدار حبها وعطفها وحنانها على أبنائها، تلك الأم التي عندما أراد الله سبحانه أن يبين مقدار هول يوم القيامة لعباده، وصفه بأنه اليوم الذي تلهو فيه كل مرضعة عما أرضعت! دلالة على عظم هول ذلك اليوم، ودلالة على عظم رحمة الأم التي لا يلهيها شيء في الدنيا عن بنيها!

لا شكّ أنه لم يكن لذينك المارقين عقل عندما أقدما على جريمتهما النكراء، استدراجًا ونحرًا لأمهما، ومحاولة قتل الوالد والشقيق، بالسكاكين التي ادّخروها لذلك. بل كانا واقعين تحت تأثير داعش الذي أخذ يتسلل إلى عقول بعض أبنائنا المتعاطفين معه،

فقد سبق أن دعا التنظيم الإرهابي علانية، المتعاطفين معه في بلادنا إلى البراءة من أهلهم وذويهم: «إلى الإخوة في جزيرة العرب ممن حبسهم العذر، تبرؤوا من أقرب الناس إليكم، فذلك هو المعروف والأقربون أولى به، تبرأ من والدك وأخيك وعمك، فأعظم المعروف الولاء والبراء، وإن كان أحدهم يعمل في السلك العسكري فتبرأ منه أولاً واقتله ثانياً، وحرّض من تعرف على البراء والقتل»! فهؤلاء المجرمون يدركون أنه يوجد في بلادنا من هو مستعد لتلبية ندائهم؛ نظًرًا للشحن الفكري الصحوي التدميري الذي اتخذ الوطن وأهله رهينة في أيديهم طوال ما يزيد على الثلاثين عامًا، فلقد تبنى أنصار مذهب الغلو والتكفير واستحلال الدماء المعصومة، ما قال به بعض الإسلامويين المتعصبين كسيد قطب، بأن الإسلام أوجب قتال المسلمين والحكام كافة لإقامة دولتهم المزعومة، وقتال غير المسلمين وغزو العالم كله لنشر الإسلام، وفي هذا ما فيه من إثارة للفتنة، ودعوة للتكفير المفضي إلى القتل. إذن لم يكن هذا الفكر وافدًا، ولا غريبًا، بل هو فكر نما واستقرّ بين ظهرانينا ذات جحيم صحوي، متسللاً إلى البنى الذهنية لبعض المتحمسين، لاسيما من ولد وعاش في تلك السنوات العجاف، إذ لم يسمع ولم يقرأ سوى ذاك الخطاب الصحوي الإقصائي، في البيت والمدرسة والشارع والمسجد، الفكر الذي تمتع بحاضنة شعبية كبيرة، فلا يفعل المواطنون إلا ما يأمر به أرباب ذلك الخطاب، الذين سيطروا على كل مناحي الحياة، وأطبقوا على الأرض والفضاء، حتى بتنا تحت قبضتهم.

لا ريبَ أن التطرف مجموعة الأفكار التي تمثل خروجًا على التيار السائد المقبول في المجتمع، وعلى القوانين المنصوص عليها في نظام الحكم، وهناك عدة أشكال له، أخطرها التطرف الديني الحزبي، الذي تمثله جماعات الإسلام الحركي، لا سيما جماعة الإخوان المفلسين، وهي التي كان لها الدور الأبرز في نشر ثقافة التطرف في بلادنا منذ الصحوة غير المباركة التي ظهرت بعد حركة المارق جهيمان مقتحم المسجد الحرام، حيث قدمت الجماعة مجموعة من الأفكار التي جسدت مشروعًا تفكيكيًا للدولة الوطنية، وأنتجت القضايا التي تفرق الأمة وتجعل المفاضلة بينها على أساس التشدد الديني، وليس على أساس المواطنة الواحدة، كما أطلقت سهامها نحو بُنى الدولة الوطنية من أجل تعزيز ثقافة معادية للدولة الحديثة ولمؤسساتها ولمشاريعها العصرية، ما جعل الشباب في مواجهة نمط حياتيّ منغلق لا يمت للعصر بأدنى صلة، خلافاً لكل المجمتعات العربية المجاورة التي لم تنفصم عن العصر، ولم تفرط بتعاليم الدين المعتدل. يقول أحد المختصين في علم النفس: إن العامل الأساس المحفّز على انجذاب هؤلاء الشباب إلى بؤر التطرف والإرهاب، هو الانغلاق والجهل وتدني الثقافة والانعزال عن العصر، إضافة إلى حال التمرّد في مرحلة المراهقة، وفشل العلاقات الاجتماعيّة وتفكّك الأسر. ثم تأتي عمليّة غسل أدمغة السذّج فكرياً، وعديمي الكفاءة ذوي الطاقات الإدراكيّة التحليليّة المجتزأة، الذين يسهل تحريكهم في إطار فكري وقالب ديني واتجاه سياسي، فيصبحون ضحية نزوات محرضيهم ورغباتهم، فيقومون بأعمال إرهابية وانتحارية، تمنحهم قيمة اجتماعيّة يفتقدونها في حياتهم العمليّة، وحظوة في أعين أسيادهم وقياداتهم، أملاً بحياة أفضل مع حور العين.

لقد أخفق الخطاب الديني في مواجهة فكر التطرف والإرهاب، فبدا صوته خافتًا مقابل ضجيج الحركيين والمؤدلجين والمحرضين وعلو أصواتهم، في المساجد ووسائل الاتصال المختلفة، ناهيكم عن خطاب تنظيم داعش، الذي يخترق بنيتنا المجتمعية من كل حدب وصوب، وأخطر ما فيه هو سعيهم إلى تجنيد المراهقين لنحر الأمهات وأقرب المقربين، وما ذاك إلا لخفوت صوت العلماء الثقات. وكل ما أنجز في محاربة الإرهاب المتولد عن التطرف والشحن الصحوي، كان بجهود رجال الأمن وحدهم، الذين استطاعوا في حالات كثيرة القبض على الانتحاريين والمفجرين قبل الإقدام على جرائمهم، ما ساعد في تقليل حجم الخسائر ماديًا وبشريًا.

لقد اكتفى هذا الخطاب بالشجب والاستنكار والتحذير من فكر الخوارج والقاعدة، دون العناية بمعالجة الفكر المتطرف معالجة شاملة بعرض أفكاره الداعية الى القتل والتدمير والإفساد في الوطن، على ما جاء في القرآن الكريم، وسنة رسول الله العملية.

ومما ينبغي لهذا لخطاب الديني، تنقية التراث الديني من أقوال متشددي الفقهاء القدماء، التي كانت وما زالت المعين الذي ينهل منه متشددو وحزبيو زماننا، للردّ على الشبهات المثارة، والقضايا التى يدور الجدل حولها،؛ لبيان الرؤية الوسطية، علاوة على العناية بمفاهيم الإسلام النبيلة من مغالطات أولئك المتطرفين والإرهابيين الذين لا يعرفون التفسير الصحيح لآيات القرآن، مع جهل كبير بأدوات الفهم، وآداب الاستنباط، ومقاصد الشرع الشريف وقواعده!

ثم لابدّ من اجتراح خطاب ديني معتدل يجرّد الشباب المتطرف من غرائزه الوحشية، ويحول بينه والعودة إلى عصور التوحش والقتل وسفك الدماء، ويدفعه باتجاه فهم الآخرين واستيعابهم، بدلًا من تصنيفهم حسب انتماءاتهم الدينيّة والعرقيّة، بتكوين رؤية دينية، تدفع للتسامح مع الآخر وتتعامل معه ولا تنفيه.

ويأتي في مقدمة ذلك كله؛ تفكيك الخطاب الداعشي وفضحه في كل القنوات المتاحة، وتجديد الخطاب الديني بتحويل الخطاب نفسه من حديث دائم عن المعتقدات والحلال والحرام، والفتاوى فيما لا يخفى على أي مسلم مطلع على أبسط تعاليم الإسلام، إلى خطاب يُعلي من قيمة الإنسان، وإلى جعل الدين قوة دافعة له في التعامل وحسن الخلق والأمانة والمحافظة على حقوق الناس، والعمل الجاد على خدمة الوطن، والحفاظ على ثرواته من الهدر والنهب، ومكافحة التطرف بكافة أشكاله، لما له من تداعيات خطيرة على الوطن، كونه يُشغل الدولة ويسهم في خلخلة أركان النسيج الاجتماعي، لهذا ينبغي بناء حضانة مجتمعية؛ تحدّ من مظاهر التطرف في المجتمع، وتعمل على توفير المقومات العازلة له؛ تعليمياً وثقافياً واجتماعيًا وترفيهياً.

أخيرًا إنّ ما يحدث في بلادنا فتنة، وإنْ لم يتعاون الجميع بكل أطيافهم على وأدها، فإن ضررها سيعمهم، وفي هذا يقول الله تعالى:(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)! يحذر تعالى عباده المؤمنين – حسب تفسير ابن كثير - (فتنة)» أي اختبارًا يعم به المسيء وغيره، ولا يخصّ بها أهل المعاصي، ولا مَن باشر بالذنب، بل يعمهما حيث لم تُدفع وتُرفع، كما قال الإمام أحمد عن مطرف، قال: قلنا للزبير يا أبا عبداللّه ما جاء بكم؟ ضيّعتم الخليفة الذي قتل (يعني عثمان)، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير: إنّا قرأنا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي اللّه عنهم: (واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة)، لم نكن نحسب أنّا أهلُها حتى وقعت منّا حيث وقعت».

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...