Wednesday, April 22, 2026

All the News That's Fit to Print

لو تأملنا في آيات الذكر الحكيم، لوجدنا أن من أهم المفاهيم النهضوية، التي تساهم في تشكيل قوة مجتمعية، رافضة للتخلف وساعية نحو سد الثغرات وردم الهوة الفاصلة بين ما هو قائم وبين ما ينبغي أن يكون، لوجدنا مفهوم (وتعاونوا على البر والتقوى) من أهم المفاهيم النهضوية، التي تتطلب امتلاك قدرة على تجاوز كل الأنانيات للتعاون مع شرائح وفئات المجتمع المتعددة على البر والتقوى.

الأمم المتقدمة والتي تجاوزت حقبة النهضة، هي تلك الأمم التي تمكنت من اجتراح تجربتها وفرادتها في التعاون بين جميع أطرافها ومكوناتها لإنجاز أهدافها وتذليل كل العقبات التي تمنع عملية التحقيق والإنجاز

وهذا الشيء الذي نتعاون من أجله، ليس محدداً بشيء محدد، فكل ما هو من البر والتقوى، ينبغي لنا وفق هذا المفهوم أن نتعاون فيه. فالمجتمعات الإسلامية وفق هدي هذه الآية الكريمة، هي منارات لعلوم الإسلام، تضيء العقول، وتشحذ الهمم وتهدي الأفئدة إلى الخير وصناعته.

ووفق هذه الرؤية فإن الإنسان المسلم، ينبغي أن يمتلك قدرة نفسية لقبول التعاون مع غيره من المسلمين من أجل أهداف البر والتقوى.

كما أنه بحاجة إلى ثقافة تشجعه على التعاون، وتحرضه على رفض كل أشكال الأنانية.

فالأمم المتقدمة والتي تجاوزت حقبة النهضة، هي تلك الأمم التي تمكنت من اجتراح تجربتها وفرادتها في التعاون بين جميع أطرافها ومكوناتها لإنجاز أهدافها وتذليل كل العقبات التي تمنع عملية التحقيق والإنجاز.

والتعاون المطلوب يتجه صوب:

1ـ كل المعيقات والموانع التي تحول دون تقدم الأمة؛ بحيث نتعاون مع بعضنا البعض من أجل إزالتها أو رفعها عن طريق تقدمنا وتطورنا.

2ـ بناء حقائق البر والتقدم في مجتمعنا، بعد إزالة كل ما يعيق نهضتنا وتقدمنا وإبداعنا.

والتعاون هنا ليس له آلية محددة، وبالتالي فنحن جميعاً معنيون في اكتشاف كل الإبداعات الإنسانية التي التزمت بالتعاون، بحيث نتمسك بأحدث النظريات والآليات التي تحقق (وتعاونوا على البر والتقوى) فالتعاون هنا ليس مشروعاً ناجزاً، بل هو من المشروعات الإنسانية الفردية والاجتماعية المفتوحة على كل الإبداعات والمنجزات الإنسانية.

استنفار العقل:

وكل هذه القضايا المذكورة أعلاه تسند وفق الرؤية الإسلامية القرآنية باستنفار العقل المسلم لكي يعمل على تحصيل الوعي والمعرفة وتجاوز غبش الرؤية وجعل حياة الإنسان المسلم في كل جوانبها وأبعادها قائمة على العلم والمعرفة.

والأدوات المذكورة في القرآن لاستنفار العقل هي مفاهيم "النظر ـ التدبر ـ التعقل ـ البينة ـ البرهان ـ الجدل" وكلها أدوات أو آليات أو مفاهيم تؤدي إلى فقه الواقع بكل جوانبه ومآلاته.

ففي أكثر من "ثمانين آية قرآنية نتلو، في الحض على "النظر"، شواهد من مثل: (فلينظر الإنسان ممّ خلق).. (أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض)، (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)، (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها)، (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)،(فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها).

وفي آيات أخرى نطالع الحث على "التدبر"، فنتلو: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، (أفلم يتدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين)، (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب).

وتنتشر في سور القرآن الآيات التي تحض على التعقل، والتي تستنفر العقل أداة للوعي والمعرفة، حتى لقد صار شرط التكليف ومناطه، ولب جوهر إنسانية الإنسان.. (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله في السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون).. وغير هذه الآية، من مثلها، تسع وأربعون آية يأتي فيها هذا المصطلح بلفظه..

وفي "المجادلة" ـ بمعنى المناظرة ـ يحض القرآن الكريم على إحسانها والإحسان فيها مع الخصوم: (وجادلهم بالتي هي أحسن)، (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)، ويطلب أن تكون المجادلة والمناظرة "بالبينة" (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة)، و"بالبرهان" (قل هاتوا برهانكم)".. محمد عمارة، معالم المنهج الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ص 54-55.

لذلك نجد أن آيات الذكر الحكيم تعيب على الذين يقفون على ما دون علم. قال تعالى: (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) "النجم، 28". ويحذر القرآن الكريم من الوقوف على أي شيء بدون علم ومعرفة، قال تعالى: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)[الإسراء، 36]..

والأقوال التي نسمعها ويطلقها الآخرون سواء أكانوا أفراداً أو مؤسسات، فإن آيات الذكر الحكيم توجهنا إلى ضرورة الالتزام بمشروع (فتبينوا) قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، "الحجرات، 6".

فالمنهج الذي استنفر العقل والنظر والتدبر، والذي جعل التفكر فريضة شرعية، هو الذي علم الإنسان أن نطاق عمله محدود بنطاق مكانته في الكون ـ مكانة الخليفة ـ ووظيفته هي أعمال وتأدية رسالة الاستخلاف، ولذلك كانت خشية علماء هذا المنهج من الله هي خشية المدرك لنسبية أدوات الخليفة وحصيلته بالقياس إلى الكلي والمطلق واللانهائي الذي تنفرد وتتفرد به ذات الله: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور).. (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم).

ونستطيع القول في هذا السياق إن القرآن الحكيم فرض على الإنسان المسلم فريضة التفكير، فالباري عز وجل يثيبنا على يقظتنا، ويحاسبنا على غفلتنا. إذ قال تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار) "آل عمران، 190-191".

وعليه نستطيع القول: إن استنفار العقل، يستهدف تحريك العقل وتنمية قدراته، وجعله حاضراً في حياة الإنسان المختلفة.

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...