Wednesday, April 22, 2026

All the News That's Fit to Print

لعلّ من أكبر مآسينا وأمراضنا هو تفشي ثقافة الكذب والنفاق في مجتمعاتنا العربية ، حتى أصبحت أسلوب حياة ومنهاجاً مستساغاً لايجد رفضاً أو استنكاراً عند كثير من الناس ! فماهو

مقبول ويمارسه الفرد بكل أريحية بعيداً عن أعين المجتمع ، محرمٌ ومرفوض وغير مقبول إذا ماتم في العلن والنور !وما يقبل ولا يرى المرء فيه بأساً خارج حدود الوطن وفي بلاد التصييف -على سبيل المثال -، مستنكر ومستهجن ومرفوض تماماً إذا ماحدث في ربوع بلادنا ! ومادمت قد ابتعدت عن عيون الناس وألسنتهم وقيلهم وقالهم ، فمن حقك ممارسة مامنعته عن نفسك خوفاً من سلخهم لك بسياط الألسنة والانتقادات،..حتى أصبح للعديد منا وجوهٌ وأقنعة مختلفة ، يظهرها تبعاً للظروف والمكان والقوم المتواجدين فيه وخلافه من الملابسات ! وأنا هنا لا أتحدث عن المرفوض دينياً وأخلاقياً ، ولكني أتحدث عن ممارسات تلقائية لا تخرج عن حدود الدين أو الأخلاق .
بل إن كثيراً من الممارسات والسلوكيات تتم تحت وطأة ضغوط اجتماعية وثقافية شديدة الثقل ، وذلك رغم ضعفها وهشاشتها قيمياً وعدم قدرتها على الوقوف في وجه الدين -نفسه - والحجة والمنطق ومنافع الناس ، ناهيك عن معطيات حياتنا ولزوميات واقعنا وما استحدث فيه من مستجدات ! لنأخذ على سبيل المثال أفراحنا ومناسباتنا التي تتهدل مظهرية وبذخاً وترفاً ، ناهيك عن التلوث الضوضائي والموسيقى الصاخبة والغناء النشاز الذي يصم الآذان في قاعات الأفراح ! رغم كل هذا الواقع المؤلم ستجد من يخرج عليك بشتى أنواع الاتهامات إذا ماتجرأت وتحدثت عن افتتاح معهد موسيقى يدرس العلوم الموسيقية الراقية ، ويربي الذائقة الجمالية ويهذب الأسماع لترفض القبيح من الأنغام ! ورغم هذا الواقع المر أيضاً لن تجد من يستنكر البذخ والترف المبالغ والمظهرية في أفراحنا ، مع تعارضها مع روح الدين وتعاليمه ، ولكنه سيستنكر ممارسات قشورية شكلانية لاتضر أحداً ولا تنفعه ، وذلك تماشياً مع ثقافة النفاق والكذب !
وحدِّث ولا حرج عن ثقافة العيب وماتفرضه علينا من إكراهات كثيراً ماتكون مرهقة نفسياً واجتماعياً ، كونها تولد صراعاً نفسياً واجتماعياً شديد الوطأة ، بل إن ثقافة العيب كثيراً ما ترهقنا مادياً واقتصادياً إذا ماتعلق الأمر بالمظهرية وضرورات « الكشخة « ! وهلم جرا من مظاهر وسمات النفاق التي باتت ملمحاً من ملامح ثقافتنا العربية ، فقد استمرأها كثير منا واعتادوا عليها لدرجة عدم إنكارها واعتبارها مسلكاً محبذاً ومرحباً به ،رغم مناقضتها وتضادها مع روح وجوهر ديننا الذي يدعو للصدق ، وينبذ الرياء والتصنع والكبر والعجب وكافة المسالك الأخلاقية التي تهوي بصاحبها إلى منحدرات التزييف والتصنع وإظهار مالا يُبْطن !
الخطير أن هذه الثقافة تصنع أفراداً غير أسوياء نفسياً ومزدوجي الشخصية يعانون صراعات نفسية مضنية ، فهم يخشون الناس وغمزهم ولمزهم أكثر مما يخافون ممن خلقهم سبحانه وتعالى ! وهنا يصبح التلون والتقلب بين النقائض حتمية سلوكية ، مما يفقد الفرد حصانته وشعوره بقوته الداخلية ومناعة مبادئه وقيمه ، وتعرُّض هذه القيم الدائم للتخلخل والتفكيك نتيجة لذلك .
وإذا ماأردت أن تخرج عن السائد والعادة والإلف ، فاعلم أنك ستواجه بدعوات الويل والثبور وكافة أنواع الرفض والتهم النمطية المعلبة بدءاً من النفعية والتغريب وصولاً للتصنيف ووصمك بكراهية الدين ، حتى لو كنت على حق وحججك مقنعة ولا تخالف الدين نفسه ، فقد تجرأت ووضعت يديك في عش الدبابير !
الخطير أيضاً أن استمراء النفاق يصنع مناخاً تطبيعياً مع الكذب، والاعتياد على تزييف الحقيقة والتضليل وقتل العقلية النقدية ، وعندما يعتاد الناس الكذب يسهل حقن عقولهم وزرعها بكافة أنواع الأفكار !

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS

تبدأ بالرمز (122) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى

88591 - Stc

635031 - Mobily

737221 - Zain

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...