Wednesday, April 22, 2026

All the News That's Fit to Print

ما دام الخلاف ينتهي بهدف التعليم ويعود إليه؛ فلعل الهدف الذي تدعو إليه الحياة اليوم، وتندبنا نحوه، هو تربية مواطن عالمي وتعليمه، مواطن همه مشاركة العالمين في صناعة الحياة وتقدمها..

هل للتعليم في بلادنا مشكلات؟ لو طُرح هذا السؤال على طائفة من المواطنين لربما كانت إجاباتهم صنفين؛ الأول يرى أن في التعليم مشكلات، ينبغي عنده الاستعجال في حلها وحسم أمرها. والصنف الثاني يرفض القضية برمتها، ويرى التعليم خاليا من المشكلات، ومعافى منها، إلا ما لا بدّ له منها، وهي مشكلات تعترض التعليم في كل مكان، ولا يكاد يخلو منها بلد من البلدان، وما كان على هذه الصفة فلا ينبغي تضخيمه ولا المبالغة في وصفه، والسعي جارٍ على قدم وساق في علاج ما فيه واستصلاح ما أشكل منه، وليس الناقد له بأحرص عليه من القائم فيه والعامل في إدارته.

لست أستغرب من ظهور هاتين الإجابتين، ومن سماع هذين الاتجاهين في التعليم وما يقال عن مشكلاته، فالناس مختلفون في نظراتهم اختلافا لا يُتصور معه اجتماعهم على شيء، وَمَنْ يعجب من اختلافهم في أمر التعليم؛ فحاله هي الغريبة، وأمره هو العجب.

تماما كما يختلف الناس في وصف بلد زاروه، وعاشوا بعض الوقت فيه؛ يختلفون في أمر التعليم ومشكلاته، فهذا يثني عليه، ولا يرى خللا فيه، وذاك يُكثر الشكوى منه، ويُعدد ما يحسبه بلاء من حاله، وسيظل الناس على هذه الحال مع كل شيء، لا فرق عندهم بين وازرة تخدمهم وبلد مروا به.

والاختلاف بين البشر بدهي، وهو منهم طبعي، لا يُعجب منه ولا يستغرب من وقوعه؛ لكن اختلافهم في الأمر يصنع مشكلة ويخلق ورطة؛ فإن نحن سمعنا المادح والمثني لم نصنع شيئا ولم نُحرّك ساكنا، وإن نحن أصغينا للقادح والناقد لم نرسُ على برّ ولم نأوِ إلى ظلّ.

الاختلاف بين الناس في أمر التعليم يُعدّ مشكلته الأولى، وقضيته الأم، وعلينا أن نحلها قبل البدء في التغيير، والشروع في دفع عجلة الحل، فنبحث خلف أسباب المدح التي يستنكر أهلها التغيير، ويرفضون التطوير، ونحلل علل النقد التي يستعجل دعاتها التبدل، ويستنكرون علينا البطء والتكاسل، ويلزمنا قبل الخوض في عملية الفحص والنخل أن نملك معايير ترشدنا ومعالم تُعيننا ننظر من خلالها إلى ما يقوله المادح ويذهب إليه الناقد، فمن التحديات في الإصلاح أن يفقد المفكر فيه النموذج، ويغيب عنه التصور، فيصبح بلا راية واضحة، مرة مع هؤلاء وأخرى مع أولئك.

ربما يكون المادح والمطري أقرب للواقع وأَقْول بالحقيقة؛ خاصة إذا رأينا الناقد حين يُدير العمل المنقود يقف به حيث كان، ولا يتخطى في إصلاحه غير ما وجده عليه، ويصبح نقده دليلا على أمرين؛ أنه استعجل به قبل نضج رأيه، أو كان يقوله على غير دراية كافية بالمنقود وأحواله، وكلا الأمرين محرج له، ومُوقع اللوم عليه.

وربما كان الناقد والعائب أدرى بالحال وأصدق في وصفها؛ خاصة إذا تذكّرنا أن من يعيش مع الشيء يألفه، وتنشأ في نفسه طمأنينة له، ويكره بعد ذلك أن يتحمّل ضريبة التغيير وفاتورة الانتقال، مع ما جُبل عليه الإنسان من حبّ الركود وكراهية النُّقلة والتصدد عن التجريب، ومع ما يُبديه النقاد من علل تبدو وجيهة، وأسباب يُخيل إلينا أنها مقبولة.

هذان الفريقان اللذان يذهب أحدهما إلى المطالبة بمراجعة التعليم، والنظر في حاله، ويذهب ثانيهما إلى صلاح الحال، وعدم الحاجة إلى المراجعة؛ يقفان موقفا مختلفا من هدف التعليم والغاية التي قام لها؛ فالأول يرى أن التعليم لم يُحقق الهدف، أيا كان الهدف في نظره، ولم يقدنا إلى الغاية المرجوة، والثاني يرى الهدف متحققا، والعمل عليه جاريا، وليست المراجعات إلا إهدارا للوقت وتضييعا للجهد، وهكذا تنحلّ مشكلة التعليم في هدفه المراد، ومقصده المبتغى.

وما دام الخلاف ينتهي بهدف التعليم ويعود إليه؛ فلعل الهدف الذي تدعو إليه الحياة اليوم، وتندبنا نحوه، هو تربية مواطن عالمي وتعليمه، مواطن همه مشاركة العالمين في صناعة الحياة وتقدمها، يفرض علينا هذا الهدف أن دول العالم ومجتمعاته تسعى إلى تحقيق هدف واحد والوصول إليه، ومحل المواطن من دولته كمحل دولته من العالم المحيط به، وهذه هي رؤية سقراط حين قال: "لست مواطنا لأثينا أو اليونان، أنا مواطن للعالم"، وهي فكرة أرسطو في قوله: "من واجب المشترع الحصيف أن ينظر كيف يبلغ الجنس البشري والدولة وكل مجتمع آخر إلى حياة فاضلة وإلى السعادة الممكنة"، وهي دعوة إمانويل حين قال: "يجب ألا يُربى الأطفال بحسب حالة النوع البشري الراهنة، بل بحسب الحالة الممكنة التي تكون أفضل منها في المستقبل، أي وفق فكرة الإنسانية وغايتها الكاملة".

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...