Thursday, April 16, 2026

All the News That's Fit to Print

د.عبدالرحيم محمود جاموس

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، جاء إعلان إيمانويل ماكرون عن تنظيم مؤتمر دولي حول مضيق هرمز ليعكس إدراكًا أوروبيًا متناميًا بأن استمرار التوتر في هذا الشريان الحيوي لم يعد مقبولًا، ليس فقط لأمن الطاقة العالمي، بل لاستقرار النظام الدولي برمّته.

فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، بات مرآة تعكس عمق الاختلالات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.

التحرك الفرنسي، المدعوم ضمنيًا من المملكة المتحدة، لا يمكن قراءته بمعزل عن تعثر المسارات التقليدية لاحتواء الأزمات، خصوصًا في ظل عجز أطراف الصراع المباشرين عن إنتاج تسويات مستدامة.

فالتوتر بين إيران والولايات المتحدة، وتداعياته على أمن الخليج، يتقاطع مع أزمات أخرى أكثر تعقيدًا، من غزة خاصة إلى فلسطين عامة إلى اليمن ولبنان، وصولًا إلى التنافس الدولي المتصاعد في المنطقة. غير أن اللافت في خطاب ماكرون، هو الربط غير المباشر بين أمن الملاحة في هرمز وبين جذور الصراع الأعمق في الشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

فالإشارة إلى ضرورة إنهاء الصراع في الشرق الأوسط، يتصدر الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي كونه جذر الصراعات في المنطقة، تعكس تحولًا نسبيًا في المقاربة الأوروبية، التي بدأت تدرك أن معالجة الأعراض الأمنية – كحماية الممرات البحرية – لا يمكن أن تنجح دون الاقتراب من جذور الأزمة التاريخية التي تعاني منها المنطقة.

لقد أثبتت التجارب أن تجاهل جوهر الصراع في فلسطين، واستمرار الاحتلال وغياب أفق الحل العادل، يوفران بيئة خصبة لإعادة إنتاج التوترات، سواء عبر فاعلين دوليين أو قوى غير تقليدية.

من هنا، فإن أي مبادرة دولية لا تدمج بين الأمن الإقليمي والحل السياسي العادل، ستبقى محدودة التأثير.

وفي لبنان، تتجلى صورة مركبة للأزمة: هجوم متكرر يهدد سيادته ويستنزف قدراته، وانقسام داخلي بين مكوناته السياسية يعمّق هشاشته، ويجعل من ساحته عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية.

هذا الواقع لا يقتصر أثره على الداخل اللبناني، بل يمتد ليغذي حالة عدم الاستقرار في الإقليم بأسره، ويضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد متداخل الأزمات.

أما في اليمن، فقد تحول النزاع إلى ساحة استنزاف إقليمي، يهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ويرتبط بشكل مباشر بأمن هرمز، في معادلة جيوسياسية واحدة، حيث تتداخل خطوط الطاقة والتجارة مع خطوط الصراع والنفوذ.

إن التحدي الحقيقي أمام المؤتمر الذي تدعو إليه فرنسا، لا يكمن فقط في تأمين التوافق حول حرية الملاحة، بل في قدرته على توسيع جدول أعماله ليشمل رؤية شاملة للأمن الإقليمي. فالمقاربة الأمنية الصرفة، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تعالج أزمات ذات جذور سياسية وتاريخية عميقة.

من هنا، فإن أي أفق لنجاح هذا الحراك الدولي يتطلب ثلاثة مسارات متوازية:

أولًا، تثبيت قواعد واضحة لضمان حرية الملاحة في الممرات الاستراتيجية، بعيدًا عن منطق الاستقطاب العسكري.

ثانيًا، إطلاق مسار إقليمي للحوار يشمل القوى الفاعلة كافة، بما فيها إيران ودول الخليج، بهدف بناء ترتيبات أمن جماعي قائمة على المصالح المشتركة لا الصراعات الصفرية.

ثالثًا، وهو الأهم، إعادة الاعتبار لمسار سياسي جاد وعادل لحل القضية الفلسطينية، بما يضمن قيام دولة مستقلة قابلة للحياة، ويضع حدًا لدائرة العنف المتجددة.

إن الربط بين هذه المسارات الثلاثة ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية. فبدون حل عادل في فلسطين، ستبقى المنطقة عرضة لانفجارات دورية، مهما تعددت المبادرات الأمنية.

في المحصلة، قد يشكل مؤتمر هرمز فرصة لإعادة صياغة مقاربة دولية جديدة تجاه الشرق الأوسط بصفة عامة، إذا ما أُحسن استثماره.

أما إذا بقي محصورًا في إدارة الأزمات دون معالجة جذورها، فإنه لن يكون سوى محطة أخرى في مسار طويل من التهدئة المؤقتة.

تلك هي المعادلة التي إن تحققت، يمكن أن يتحول هرمز من نقطة توتر إلى بوابة استقرار، ومن رمز للصراع إلى عنوان لسلام حقيقي ودائم.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...