Tuesday, June 16, 2026

All the News That's Fit to Print

مهدي العبار العنزي

إن الحديث عن بناء الأمم واستقرار الدول ليس مجرد رصدٍ لخطط اقتصادية أو توسعات عمرانية، بل هو في المقام الأول غوصٌ في القواعد الأخلاقية والنظامية التي تحكم علاقة الإنسان بأرضه وبأخيه الإنسان. وفي طليعة هذه القواعد تأتي ثنائية العدل والأمن؛ بوصفهما الركيزتين اللتين لا تنفصلان، والضمانة الوحيدة لنهوض الحضارات واستمرارها عبر التاريخ.

فلا يمكن لأمة أن توصف بالعدالة ما لم تأمن في سربها وتستقر أركانها، ولا يمكن لدولة أن تحظى بأمن مستدام وعميق ما لم يقم بنيانها على ميزان الحق والإنصاف. إنهما وجهان لعملة واحدة تسمى «الاستقرار الحضاري».

أولاً: الأمة العادلة.. بيئة الحقوق المصونة والمواطنة الحقة

العدل في مفهومه الشامل والعميق هو وضع الأمور في مواضعها الصحيحة، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتطبيق سلطة النظام والقانون على الجميع بلا استثناء أو تمييز، بناءً على مكانة أو خلفية. وعندما تسود ثقافة العدل في أمة من الأمم، تتحقق جملة من المكتسبات النفسية والاجتماعية التي لا يمكن شراؤها بالمال:

- تعزيز الولاء والانتماء: حين يشعر الفرد بأن كرامته مصونة، وأن حقوقه محمية بقوة القضاء والأنظمة المطبقة، يتولد لديه دافع ذاتي وعفوي لحماية مكتسبات وطنه، ويتحول كل مواطن إلى رجل أمن بوعيه وحرصه.

- تلاشي بؤر الاحتقان الاجتماعي: إن غياب العدل يورث الضغينة والمحسوبية، وهي التربة الخصبة لانتشار الجرائم السلوكية والفكرية ونزعات الانتقام الفردي. أما العدل فيقطع دابر هذه الآفات بمنح كل مجتهد نصيبه، وبث الطمأنينة في نفوس العامة بأن الحقوق لا تضيع.

ثانياً: الدولة الآمنة.. ثمرة العدل وسياج التنمية والازدهار

إذا كان العدل هو الروح والقلب النابض الذي تحيا به الأمة، فإن الأمن هو السياج والدرع المنيع الذي يحمي هذه الروح. والأمن الحقيقي يتجاوز المفهوم العسكري أو الشرطي التقليدي المتمثل في غياب الجريمة، ليمتد إلى مناحي الحياة كافة:

- الطمأنينة الاقتصادية والاستثمارية: الأمن هو المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد والتنمية. فالمستثمر لا يضخ ماله، والمبدع لا ينثر أفكاره، والمزارع أو الصانع لا يتدفق عطاؤه، إلا في بيئة مستقرة تضمن لهم سلامة النفس والمال. ورأس المال، كما تواترت الأدبيات السياسية والاقتصادية، لا يستقر إلا حيث يرفرف الأمن.

- قوة المؤسسات وهيبتها: الدولة الآمنة هي التي تملك مؤسسات قوية، واعية، وقادرة على إنفاذ القانون وحماية الضعيف من تغول القوي. هنا يكون الأمن في خدمة العدالة وصيانة الحقوق، وليس مجرد أداة ضبطية جافة.

ثالثاً: التلازم الحتمي.. معادلة الميزان والسياج

إن العلاقة بين الأمن والعدل هي علاقة وجودية تبادلية؛ فلا يمكن لأحدهما أن ينجح في غياب الآخر، وهناك قاعدة فكرية واجتماعية ذهبية تلخص هذا التلازم: لذلك، فإن القوة الأمنية الواعية هي الذراع التنفيذية التي تحمي أحكام القضاء المنصف وتضمن هيبته، والقضاء المنصف هو المظلة الشرعية والنظامية التي تمنح العمل الأمني مبرره وقبوله المجتمعي.

خاتمة

إن الوصول إلى «أمة عادلة ودولة آمنة» ليس مجرد أمنية تُصاغ في السطور أو تتردد في الخطابات، بل هو مشروع حضاري متكامل وعقد اجتماعي تشترك فيه كافة مؤسسات المجتمع؛ تبدأ من الأسرة التي تزرع في الأبناء قيم احترام الحقوق والأنظمة، ومروراً بـالمنابر التعليمية والإعلامية التي تعزز الوعي، ووصولاً إلى الأجهزة التنفيذية والقضائية التي تطبق الأنظمة بكل حزم وشفافية.

حين يلتقي ميزان العدل بسياج الأمن كما هو في بلادنا، تسير المجتمعات بخطى واثقة نحو المستقبل، وتتحول الأوطان إلى واحات رخاء واستقرار، تصان فيها الإنجازات، ويسودها السلام، وتتفرغ فيها العقول للبناء والإبداع وخدمة الصالح العام. وعلينا ان ندرك بأن الامن اهنأ عيش والعدل أقوى جيش.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...