Thursday, April 16, 2026

All the News That's Fit to Print

رمضان جريدي العنزي

الأجهزة الرقمية ليست شرًّا خالصًا، لكنها تعمل كسمّ بطيء حين تُترك بلا وعي ولا حدود، لا تقتل فجأة، بل تُخدّر الروح بكثرة الضجيج، وتُخدّر العلاقات بالبدائل السهلة، وتُخدّر الفكر بالتشتت المستمر.

الأجهزة الرقمية ليست أدوات، بل أنياب ناعمة، تلتهم الوقت دون صوت، وتمضغ الروح على مهل، تجعل الإنسان حاضرًا جسديًا غائبًا كليًا، يرى ولا يُبصر، يسمع ولا يُصغي، يتكلم دون أن يقول شيئًا، تُعيد تشكيل الدماغ ليكره العمق، ويخاف الصمت، ويهرب من أي فكرة تحتاج صبرًا، ومع كثرة الاستهلاك، يتحول الإنسان إلى كائن مُشتّت، سريع الملل، ضعيف الشعور، يظن نفسه حرًّا وهو مقيد بإشعار، وبطارية، وخوارزمية لا تعرف الرحمة.

إنه انتحار بطيء، مُضاء بشاشة الأجهزة الرقمية لا تسرق الإنسان، بل تُقايضه بنفسه، تعطيه وهم الامتلاء مقابل فراغ داخلي متزايد، تُربّيه على السطح، وتُعاقبه إن حاول الغوص، كل شيء سريع، لامع، قصير النفس، حتى الحزن صار مختصرًا، وحتى الفرح صار قابلًا للتمرير، تُفرغ العلاقات من ثقلها، فتحولها إلى صور، وردود جاهزة، وقلوب افتراضية لا تنبض، ومع الوقت، ينسى الإنسان كيف يكون وحده دون هلع، وكيف يفكر دون تشتيت، وكيف يشعر دون أن يوثّق شعوره، يصبح كائنًا مُدارًا بالإيقاع، مُعاد برمجته ليستهلك، لا ليفهم، ليُشاهد، لا ليعيش.

الأجهزة الرقمية لا تُلهي فقط، بل تُفرغ الإنسان من ثقله الوجودي، تحوّله إلى كائن خفيف حدّ التفاهة، يمرّ على المآسي كما يمرّ على النكات، ويقيس كل شيء بمدى قابليته للمشاركة، تُدرّبه على الاستجابة لا على التأمّل، على ردّ الفعل لا على الفعل، تقتل فيه القدرة على الانتظار، لأن الانتظار بلا شاشة صار عذابًا، وتقتل فيه الجرأة على التفكير، لأن الفكرة التي لا تُكافَأ فورًا بالإعجاب تُعدّ فاشلة، تُحوّل الذاكرة إلى أرشيف خارجي، والعقل إلى ممرّ إعلانات، والقلب إلى مستقبل إشعارات، ومع الزمن، لا يعود الإنسان يعرف إن كان يشعر حقًا، أم فقط يُقلّد الشعور كما رآه على الشاشة، إنها ليست حضارة اتصال، بل حضارة استنزاف، تترك الإنسان متعبًا، فارغًا، متهالكًا، ومقتنعًا أن هذا هو الطبيعي.

الأجهزة الرقمية ليست انحرافًا عابرًا، بل تشويه منهجي للإنسان، مصنع ضخم لإنتاج كائنات بلا جذور، بلا ذاكرة حيّة، بلا قدرة على الاحتمال، تُكسِّر العمود الفقري للانتباه، ثم تطلب من العقل أن يقف منتصبًا، تُعلِّم الإنسان أن يهرب من أي ألم بدل أن يفهمه، وأن يستهلك المعنى بدل أن يصنعه، تقتل الخيال لأنها تقدّم كل شيء جاهزًا، وتقتل الحكمة لأنها تكره البطء، و تجعل الإنسان عبدًا لشيء يحمله في جيبه، ويتباهى بعبوديته كأنها تطور.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...