التدين السياسي واستحثاث آخر الزمان - د.عبدالله بن موسى الطاير
د.عبدالله بن موسى الطاير
بعض العلاقات في رسوخها تشبه العقائد؛ لا يمكن تحويلها أو اختراقها بسرعة وسهولة، وعلاقات الدول ببعضها تكون أكثر صلابة حين تُبنى وشائجها على أساس عقدي. فتسييس الدين وأدلجة السياسة لعبة تجيدها العقول الإستراتيجية التي تخطط على المدى البعيد، لتجعل من العلاقات بين الدول وحلفائها عقودا تشبه الزيجات الكاثوليكية، لا مجال فيها للطلاق.
في منطقتنا نماذج حية من الولاءات السياسية المعجونة بالتدين؛ فوكلاء إيران في لبنان واليمن والعراق قدموا نموذجا جليا لهيمنة دولة المركز على قراراتهم وأموالهم ودمائهم. فولائهم لإيران مطلق، لا يسهل كسره، لأنهم يتعبدون الله به. وهذا لا يعني أن الحرس الثوري الذي يتعبدون الله بطاعته جيش من الصالحين، وإنما مؤسسة ثورية تعمل على تحقيق مصالح سياسية وعسكرية عابرة للحدود، وهذه الميليشيات جزء من مشروع جرى تجنيده بالدين والمحافظة عليه بالشعارات؛ ولذلك فهو جاهز للتنفيذ دون إثارة الأسئلة.
لكن مهلا، ليست إيران وحدها في هذا السياق، فإسرائيل تشبهها تماما، ولها في أمريكا وكلاء تهيمن عليهم برابطة العقيدة. دولة علمانية في جوهرها السياسي، تقودها نخب يهودية علمانية، استطاعت أن تُخضع ملايين المسيحيين الأمريكيين وتُسخرهم لدعمها دون أن تتيح لهم رفاهية السؤال عن مشروعية هذا الدعم المطلق ومبررات هذا الولاء الأعمى. الصهيونية المسيحية تدين سياسي لا يختلف في منطقه العميق عن التشيع السياسي، صحيح أن أتباعها لا ينخرطون في الأعمال القتالية إلى جانب الجيش الإسرائيلي، لكنهم يمولون صمت الكونجرس، وشراء الساسة الأمريكيين، وتزويد إسرائيل بالأموال والأسلحة لقتل الأبرياء وتهجيرهم، وتوفير الحصانة من المساءلة في مجلس الأمن.
الصهيونية المسيحية ليست قراءة إنسانية للعهد القديم، وإنما فكرة دينية هامشية داخل البروتستانتية، وجدت طريقها إلى الثقافة الدينية الأمريكية، تقوم على فكرة أن عودة اليهود إلى فلسطين، وقيام دولة إسرائيل، وتجمع اليهود في القدس، ليست أحداثا سياسية قابلة للنقاش، بل علامات في خطة إلهية كبرى تمهد لنهاية الزمان. قدرنا في المنطقة أن نعيش بين أجندتين واحدة تنتظر المهدي إيذانا بنهاية الزمان، والثانية تهيئ الظروف لعودة المسيح الذي سيكتب الفصل الأخير.
هنا تكمن خطورة الفكرة، فعندما تتحول الدولة إلى نبوءة، لا تعود قابلة للمساءلة، وعندما يصبح الجيش أداة في المشيئة الإلهية، لا يعود قتل المدنيين جريمة كاملة، بل تضحية في طريق الخلاص. وإذا كانت الأرض جزءا من نص مقدس، لا يعود الفلسطيني صاحب حق فيها، بل عائق أمام اكتمال الوعد، وتجب إزاحته مسلما كان أو مسيحيا.
الأشد غرابة ومفارقة أن هذه العقيدة لا تنتهي بخلاص اليهود، كما قد يتوهم بعض أنصار إسرائيل، ففي التصور التدبيري المتطرف، اليهود أنفسهم ليسوا غاية المشروع، بل أداة في مشهد نهاية العالم حيث يعاد تجميعهم بانتظار المعركة الكبرى، ثم لا ينجو أحد منهم إلا من يقبل بالمسيح وفق التصور الإنجيلي. أي أن اليهودي في هذا الخيال ليس شريكا محترما في الإيمان، بل مادة تستخدم لتحقيق نبوءة لا يملك هو نفسه السيطرة على معناها.
فهمت الصهيونية مبكرا أن هذا المخزون الديني الأمريكي يمكن تحويله إلى قوة انتخابية هائلة، ولم تكن بحاجة إلى إقناع كل الأمريكيين بتاريخ فلسطين، ولا بشرعية كل حرب، ولا بعدالة كل مستوطنة، وإنما كان يكفي إبقاء ملايين الإنجيليين داخل القصة الكبرى المتمثلة في أن إسرائيل علامة إلهية، ومن يقف ضدها يقف ضد إرادة الله، وعندئذ يصبح النقاش السياسي ردة دينية، والنقد الإعلامي عداء للسامية، والتعاطف مع الفلسطينيين ضعفا في الإيمان أو جهلا بالنبوءة.
لكن الأسئلة بدأت تتسرب، فماذا يعني أن يدعم مسيحيون أمريكيون دولة لا تكترث بالمسيحيين عربا وعجما؟ وماذا يعني أن تُختزل رسالة المسيح في دعم القتل والتهجير؟ وكيف أصبح الإنجيل، الذي قام في ضمير المسيحيين على الرحمة والتسامح، غطاء سياسيا للحرب والظلم؟ ولماذا يطلب من المسيحي الأمريكي أن يرى إسرائيل بعين النبوءة، ولا يرى الفلسطيني بعين الأخلاق؟
إنثيال الأسئلة لا يعني قرب التحول، فالعقائد السياسية لا تنهار دفعة واحدة، وما تحتاجه الصهيونية المسيحية اليوم هو التفكيك الهادئ لجذورها، وكشف المفارقة التي تخفيها، فملايين المسيحيين في أمريكا جرى تجنيدهم لخدمة مشروع لا يضع المسيحية في مركزه، ولا يهتم بالمسيحيين في الشرق، ولا يرى في الإنسان غير اليهودي إلا عقبة في طريق نبوءة سياسة.
حين يبدأ السؤال، تهتز إمبراطوريات الجهل داخل العقول، وهناك فقط يمكن للعقيدة أن تعود دينا، وللسياسة أن تعود سياسة، وللإنسان أن يظهر من جديد من ركام الشعارات. أعتقد أن مشاهر اليمين المحافظ في أمريكا، وتكر كارلسون مثالا، يقومون بدور إذكاء الأسئلة ليس نيابة عن العرب، وإنما في سعي حثيث لتحرير العقل المسيحي الأمريكي.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 754
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 862
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 739
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 725
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 728
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 942
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...