Sunday, April 19, 2026

All the News That's Fit to Print

ناصر بن محمد الحميدي

لقد كانت محافظة الزلفي على موعدٍ مع التاريخ والعراقة، إذ احتضنت تظاهرةً تراثيةً قلَّ أن يُرى لها نظيرٌ في هذا العصر؛ حيث التأم فيها جمهور غفير، واجتمعت فيها ألوان من الفنون الحِرفية، لا يجمعها إلا ما يربط حاضر الوطن بماضيه العريق.

ولئن كان هذا المهرجان أحد مرامي رؤية المملكة 2030، فإنه كذلك ثمرة من ثمار ما أعلنت عنه الدولة من تخصيص هذا العام تحت عنوان «عام الحرف اليدوية 2025»؛ وما هذه الحفاوة الباذخة، وهذا الإقبال الذي يجلّ عن الوصف، إلا برهان على صدق الانتماء، ورغبة الجماهير في مصافحة التراث لا رؤيته فقط، بل الغوص في أعماقه، واستلهام ما فيه من المعاني النبيلة والدروس البليغة.

ليست الحِرفة عند السعودي المُبدع مجرد وسيلة عيش، ولا هي أداة تكسّب فحسب، ولكن هي هويةٌ متجذرة، وميراثٌ موصول باليد والعين والقلب، تضرب جذورها في أعماق الروح قبل أن تلامس المادة.

وما إعلان هذا العام عامًا للحرف اليدوية إلا إيذانٌ بمرحلة جديدة، تُعيدُ الاعتبار لما طواه الإهمال، وتُحيي ما ظنّ الناس أنه مات. فهو إحياءٌ للمهارة، وصونٌ للكرامة، ودعوةٌ إلى الأصالة في زمن يكاد أن ينسى نفسه.

الزلفي: رائدة المبادرة، وسابقة الفعل

إن الزلفي لم تكن مجرد محطة في طريق المهرجان، حيث كانت أصل الحكاية، ومبتدأ الفكرة، فكانت السباقة في تنفيذ هذه الرؤية، وفي تحويل المقاصد إلى واقع مشهود.

وقد بان أثر ذلك في حسن التنظيم، وثراء المشاركات، وصدق الحضور، حتى غدت الزلفي نقطة الانطلاق نحو مشروع وطني كبير، ترعاه الدولة، ويؤيّده الشعب، وتباركه الذاكرة الجمعية للأمة السعودية.

ومن تمام الفكرة أن يكون لهذا المهرجان ديمومةٌ واستمرارٌ، لا يتوقف عند مناسبة عابرة، وإنما يُؤسس له كيانٌ ثقافي دائم، يُنظّم كل عام، ليكون مَعْلَماً من معالم الوطن، يُحفظ به الحرف، ويُكرّم فيه الحرفيّ، وتُربّى فيه الأجيال على تقدير الجمال المولود من اليد والعقل والوجدان.

من وهج البشت إلى عبير الورد

ولعل من أجمل ما تفتّق عنه هذا الحدث الكبير، تلك النماذج البديعة التي عُرضت، ومنها:

بشت المعلّمة: الذي تُحيكه أنامل الأحسائيين من الزريّ المذهب والوبر، لا يلبسه إلا الملوك، ولا يُنسج إلا فخرًا.

ورد الطائف: الذي ما زال يُقطَّر كما كان، في ورش تُعيد للروح رائحتها القديمة.

الدلّة والكوستر: حيث تحوّلت أدوات الضيافة إلى رموز تُروى وتُخلَّد.

الروشان والقط العسيري والباب النجدي: كلها شواهد على أن الجمال قد يسكن الخشب، أو يتجلّى في نقش، أو يُطرّز على جدار.

وللحِرفة كرامة يجب أن تُصان

ولأن الحِرفة ليست عملاً يدويًّا فحسب، ولكن حق ثقافيّ أصيل، فقد بادرت الدولة إلى توقيع مذكرة تفاهم بين «ورث» والهيئة السعودية للملكية الفكرية، صونًا للحقوق، وحمايةً للإبداع، وإيمانًا بأن ما يُنتجه الحرفيّ هو كما تُنتجه قريحة الشاعر أو عبقرية الرسّام.

لقد أثبتت الزلفي أنها تُجيد التأسيس للمستقبل، وأن الحِرفة إذا أُكرمت، أكرمت صاحبها، وإذا أُحييت، أنعشت الوطن بأسره.

وما أشدّ حاجتنا، في عصر السرعة والاستهلاك، إلى لحظة سكونٍ كهذه، نقف فيها أمام مرآة الحِرفة، فنرى فيها وجوه آبائنا، ونرسم بها ملامح أبنائنا.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...