Sunday, April 19, 2026

All the News That's Fit to Print

ناصر بن محمد الحميدي

لا يخفى على المتأمل في خريطة العلاقات الدولية أن بعض التحالفات تُبنى على المصلحة، فتتغيّر بتغيرها، وتذبل إن جفّت منابع النفع المشترك. ولكن ثمة علاقات، قلّما توجد في دنيا السياسة، تُبنى على الصدق قبل الصفقات، وعلى الوفاء قبل الاتفاقات، ويُروى جذعها من ينابيع التاريخ، وتُسقى أوراقها من دموع المحبة الصادقة، لا من مداد الحبر السياسي العابر.

هكذا هي العلاقة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية.

علاقة لا تُقاس فقط بعدد الوفود المتبادلة، أو بتكرار الكلمات البروتوكولية في القمم الرسمية، بل تُقاس بنبض الشارع في كِلا البلدين، وبصوت المُحب الذي يهتف من قلبه: «السعودية باكستان، وباكستان السعودية».

تشرفتُ قبل عقدين من الزمن بأن أكون ضمن الوفد السعودي الذي زار إسلام أباد في مناسبة وطنية خالدة. لم أكن أظن أن ما سأراه في تلك الأيام الخمسة سيُخلّد في ذاكرتي كأنّه حدث الأمس.

فما رأيته في عيون عشرات الآلاف من الإخوة الباكستانيين الذين احتشدوا احتفالًا باليوم الوطني السعودي، لم يكن احتفاءً بضيف، وإنما كان استقبال أخٍ لعائدٍ طال غيابه.

تلك الأيام كانت كأنها عيد مشترك، ازدانت فيه الساحات بالفلكلور الشعبي، وتزيّنت الأرواح بحب لا تصطنعه اللغة.

وفي لحظة رمزية لا أنساها، قال سفير خادم الحرمين الشريفين آنذاك، الأستاذ علي بن عواض عسيري، عبارته التي تجاوزت حدود المجاملة الدبلوماسية لتسكن في الوجدان: «السعودية باكستان، وباكستان السعودية». قالها بالعربية والأوردية ليؤكّد أن العلاقة بين البلدين لا تحتاج إلى ترجمان.

ويأتي اليوم، بعد عقدين من تلك الذكرى، توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين المملكة وباكستان، لتكون التجسيد العملي لتلك الأخوّة التي طالما عبّرت عنها المشاعر الشعبية، وجاء الوقت لترسيخها بأركان صلبة من التعاون العسكري والتنسيق الأمني.

الاتفاقية التي وقّعها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ورفيقه في الرؤية والسيادة رئيس الوزراء الباكستاني، جاءت ببنود لا تحتمل التأويل: أمن البلدين واحد. الردع مشترك. والاعتداء على أحدهما، هو في عرف الاتفاق، عدوان على كليهما. إنها كلمات تقوم على ميثاق شرف بين بلدين يجمعهما التاريخ ويوحدهما المصير.

وفي تأكيد واضح، جاء تصريح وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، ليُعلنها دون مواربة:

«السعودية وباكستان.. صفًا واحدًا في مواجهة المعتدي.. دائمًا وأبدًا».

ما بين مشاعر جماهير إسلام أباد في ذلك اليوم الوطني، وبين التوقيع على اتفاقية دفاع مشترك في 2025، تسير العلاقة السعودية-الباكستانية في خط بياني صاعد، عنوانه الوفاء، والتكامل، والثقة المتبادلة.

التحالفات تُبنى أحيانًا في غرف مغلقة، لكن هذا التحالف كُتب في ساحات المحبة، وعلى جدران الوجدان.

فهل بعد هذا البيان بيان؟

وهل بعد هذا الوفاء من وفاء؟

كلا، فالعلاقة التي تُولد من رحم الأخوّة الصادقة، لا تموت، بل تُزهر مهما تغيرت فصول السياسة.

إن اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان إعلان صريح أن العلاقات الحقيقية لا تُبنى بالمصالح وحدها، وإنما تقام على الدم، والعرق، والذكريات.

وبينما يموج العالم بتحالفات هشة، تنبت في أرض الرمل وتذروها رياح التغير، تثبت السعودية وباكستان أن التحالف الذي تُسقيه القلوب، لا تجرفه العواصف.

«السعودية باكستان، وباكستان السعودية»... ليست عبارة عابرة، بل عنوان فصلٍ خالدٍ من كتاب الإخاء العربي-الإسلامي.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...