Wednesday, April 15, 2026

All the News That's Fit to Print

رمضان جريدي العنزي

الجو كان بارداً بل زمهريراً وقارس البرودة، يدخل الجسم والعظم ويهدد أطراف الجسم الأخرى بالعطب، حينها قررت أن أجلب الحطب وأعواد الرمث اليابسة والجلة المتناثرة هنا وهناك، أشعلت النار لأشحذ منها الدفء، متدثراً بفروة رعيانية أقصر مني وأصغر، كان ذلك في شتاء العام المنصرم أذكر ذلك جيداً بالوقت وباللحظة، ستة أيام غاية في البرودة وغاية في التعب وغاية في الركض وراء اصطياد الطيور التي لا أتقن أسماءها، ولا كيف تعيش أو تستقر ولا حتى كيف تهاجر كجماعات أو فرادى. ازددت في تلك الأيام الخوالي خبرة في شؤون الحياة غيرتني رأساً على عقب، كان التخييم في الصحراء مليئاً بالمفاجآت، وأردت أن أنتهز هذه الفرصة وأغامر على طريقة (الرحالة) الكبار، لقد بذلت ما في وسعي لأعرف كل شيء وأتفحص كل شيء وأدون المعلومة عن كل شيء، وأسأل الرفاق الكبار في السن عن كل شيء حتى أن أحدهم غضب مني ونهرني بأدب بأن أتوقف عن كثرة الأسئلة، لكنني أخبرته بأني أملك حب الاطلاع ولدي هواية المعرفة حتى عن صغائر الأشياء وهذا هو ديدني وهذا هو شأني، عندها ربت على كتفي بحنو وتأسف، الوقت ليل والبرد يزداد قوة وزخات المطر تطرق بقوة سقف الخيمة المتهالك أصلاً حتى أصبح الوضع في الخيمة شيئاً لا يطاق؛ لذا قررت الرحيل في حالة من اللاوعي المطبق ودون أن أفكر حينها بأي شيء.

في غمرة الليل العتيم والبرد القارس سرت ماشياً ثلاثة أيام بلياليها كي أصل لبيتي الطيني العتيق في تلك الهجرة النائية في إحدى تخوم الشمال البعيدة، كان في نيتي البقاء مع رفقاء الرحلة لكنني لم أتحمل تصرفاتهم وأوامرهم الغليظة المجحفة بحقي كوني أصغر سناً وقامة منهم، كان المطر يهطل بقوة ويلسعني كالسياط مختبئاً تارة تحت الشجيرات الصغيرة وتحت الصخور الحجرية تارة أخرى، ولحسن حظي كنت أرتدي (فروتي) و(مشمع) سميك وشماغ بالي لففته على وجهي وأدخلت طرفيه تحت عقالي ليحمي رأسي كله من البرد، وبينما أنا منكب في مسيري كنت أردد بعض قصائد الهجيني بصوت خافت لتساعدني على قطع الفيافي ولأسلي روحي المتعبة؛ لأن القصائد تجعل من الأشياء أحياناً واقعاً حياً وملموساً وشيئاً مسانداً لاجتياز المصاعب، عشت ساعات غاية في الصعوبة خلال رحلة العودة أزعجني فيها عواء الذئاب الجائعة وظلمة الليل البهيم ووحدة النفس وحزن المصير ومفاجآت الآتي، بعد أن وصلت بيتي في حالة إعياء شديد وهزال بائن تنهدت طويلاً وحاولت تعديل هندامي كي أستقبل زوجتي وطفلتي الصغيرة بابتسامه عريضة لكنها تنم عن وجع في النفس ووجع في الجسد في آن واحد، لكنني حاولت أن أضمر الإعياء وأخفي التعب وأكابر، مرضت بعدها شهوراً طويلة كنت أتداوى خلالها من الأعشاب البرية المتنوعة منقوعة بالماء أحياناً وكـ(سفوف) أحياناً أخرى على يد عجوز طاعنة في السن يلقبونها بـ (أم قعود) حتى شفيت وعادت لي عافيتي من جديد بعد رحلة مريرة وطويلة مع المرض والعلاج والكي، بعدها رحلت إلى العاصمة لأعمل عسكرياً في أحد القطاعات العسكرية برتبة جندي ولأكمل تحصيلي العلمي ليلاً، ثابرت طويلاً وعانيت كثيراً وقاسيت كثيراً حتى حصلت على درجة البكالوريوس ورتبة وكيل رقيب، ثم أصبت بمرض الفشل الكلوي التام المزمن الذي أعاقني عن تحقيق طموحي الكبير بتحقيق درجة الدكتوراه.

لي ذكريات موغلة في السفر والتعب والمثابرة والهمة الكبيرة والمرض، وهاأنذا على فراش المرض بجسد رقيق يشبه عود (الشيح) أو (القيصوم) اليابس، أو خزامى أضناها العطش، أو كغصن نسيه الربيع، تذروه رياح الوجع، وتسكنه آهات لا تسمع، عانقت حر الأيام وبرد الليالي، لكن في داخلي شيء صغير عنيد يرفض أن ينطفئ، مررت بمواسم حارة، ومع ذلك مازال في شيء نقي كسحابة بيضاء لم تلوثها الرياح، عانيت من مشكلات ساخنة في حياتي التي التفت من حولي وصهرتني هماً ومعاناة على شكل أحداث وتقاطعات، وفق شبكة من العلاقات الحياتية التي تشبه رحى الطاحونة التي تظل تدور وتدور دون أن تتعب، مثل (صميل) لبن في قيظ لا يرحم، يحفظ ما فيه بارداً رغم اشتعال النهار، ساكن الظاهر، لكن في داخله حياة تقاوم اللهيب، إنني أعلم بيقين تام، بأن الأرواح ترهق، لكنها لا تنكسر، تحمل وجعاً، لكنها تبقى أنيقة حتى في أوج تعبها.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...