Thursday, April 16, 2026

All the News That's Fit to Print

خالد بن عبدالرحمن الذييب

في المقال الماضي، ناقشنا «صخب اللحظة» الذي فرض كلماتٍ مباغتة كما حدث مع يوليوس قيصر ومدام رولان، أو كلماتٍ مزجت بين الصخب والشخصية كما عند جيفارا وخالد بن الوليد. لكننا اليوم ننتقل لزاوية أعمق؛ حيث تغدو العبارة الأخيرة مرآةً تعكس جوهر الهوية الحقيقية التي تشكلت عبر سنوات العمر؛ ففي لحظة الوداع تسقط الأقنعة.

فرعون، الذي نشأ وتربى في ترف وحاشية تبرر طغيانه، عاش متوارياً خلف قومه في كل حالاته، ويؤكد ذلك تكرار كلمة «قوم» بعدة صياغات ومعاني: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}، {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}، بل حتى مناظرته ضد موسى عليه السلام كانت أمام قومه وكأنه يتوارى بهم، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً بدونهم مثل الطفل المدلل الذي ينتظر العون من الجميع. كل ذلك صنع شخصية هشة ترتهن للآخرين، ولا تضمن الأمان إلا بوجودهم؛ فظل يكابر مستتراً بحاشيته، حتى وهو يرى انشقاق البحر، ولكن بمجرد أن غمره الموج وغابت عنه الحاشية، تلاشت الهيبة المصطنعة وصرخ بذعر: {آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}. فحتى في إيمانه المتأخر، لم يقل آمنت بالله، بل ارتهن لإيمان قومٍ آخرين، وكأنه أصر أن يموت هشاً مختفياً خلف «الآخرين» كما عاش؛ فضحته الوحدة وأثبتت أنه لم يكن سوى قائد هش من الداخل.

وعلى النقيض، يبرز أبو جهل الذي أظهر اتساقاً حاداً مع كينونته المتكبرة في شخصيته، حتى في انكساره. فعناده لم يكن جهلاً بحقيقة الرسالة الإسلامية، ويؤكدها ما ينسب له: «كنا وبني هاشم كفرسي رهان»! بقدر ما كان استكباراً وحبساً لنفسه في صراع سيادة «من منظوره الضيق»؛ إذ لم يستوعب بذهنيته القبلية أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أسمى من مجرد تنافسٍ على زعامة، بل هي دعوة للعالمين.

عبارته الأخيرة لابن مسعود: «لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم»، كانت إعلان شخصية صلبة في باطلها، وفية لغطرسة جاهلية لم تتبدل، موضحاً الفرق بين «كفر الضعف والارتهان» عند فرعون، و»كفر العناد والاعتزاز الآثم بالذات» عند أبي جهل. وفي سياق مختلف، احتفظت ماري أنطوانيت ببروتوكولاتها حتى وهي تُساق للمقصلة؛ فحين دهست قدم الجلاد، اعتذرت بتهذيب: «أعتذر، لم أقصد»، فقد صار «الإتيكيت» جزءاً من هويتها، نتيجة بيئة وتربية ارستقراطية عاشتها في حياتها، أما سيبويه، فقد انشغل بالنحو حتى في أنفاسه الأخيرة: «أموت وفي نفسي شيء من (حتى)». وصولاً إلى ماركس والذي سئل إن كان هناك كلمات أخيرة يريد قولها فرد بعنفوان: «الكلمات الأخيرة للأغبياء الذين لم يملكوا الوقت الكافي لقول كل شيء»، في حالة عكست شخصية ماركس المؤثرة إلى اليوم حتى وإن خفت هذا التأثير.

أخيراً...

الكلمات الأخيرة إما أن تعكس سيرة الإنسان أو صخب اللحظة

ما بعد أخيراً...

هي ومضة تضيء ظلام الوداع قبل أن ينطفئ النور للأبد.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...