Friday, June 12, 2026

All the News That's Fit to Print

د. إبراهيم بن جلال فضلون

الرياضة لا تبني الشخصية فحسب، بل تكشفها أيضاً، فعندما استضافت الولايات المتحدة المونديال في عام 1994، كانت تقدم نفسها للعالم كأرض للأحلام والفرص، وواحة ترحب بالجميع بلا قيود في احتفال كوني مفتوح؛ دولةٌ تقدم نفسها باعتبارها نموذجاً للجاذبية العالمية، وسوقاً ضخمة تستقبل الشعوب قبل المنتخبات، والجماهير قبل الحسابات الأمنية. لكن عالم اليوم، ونحن على أعتاب مونديال 2026، في عهد الإدارة الأمريكية الترامبية، والتي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية بالشراكة مع كندا والمكسيك، بات عالمنا محكوماً بهاجس أمني مكثف، يمتزج بشعبوية سياسية فجة توظف المناسبات الرياضية الكبرى لخدمة أجندات داخلية وإقصائية.

تحت وطأة الاستقطاب السياسي، والحروب الهجينة، وتصاعد الشعبوية، والهواجس الأمنية العابرة للحدود، فتحول المونديال في المنظور الحمائي الأمريكي الحالي إلى أكثر من ذلك، كتصفية الحسابات مع دول تصنفها واشنطن في خانة الخصوم، كإيران وروسيا والصين، أو كساحة لتأكيد السيطرة والتشدد القنصلي تحت مبررات «مكافحة الإرهاب» وحماية الحدود منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهي مبررات تجاوزت منطق الحذر لتسقط في فخ التنكيل الرياضي بالوفود واللاعبين. فالبطولة التي كان يفترض أن تكون احتفالاً عالمياً بالرياضة، تحولت في نظر كثيرين إلى ساحة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والهجرة والجغرافيا مع قيم المنافسة الرياضية والتواصل الإنساني.

حرب بدون رصاص

حين تدخل السياسة إلى غرفة الرياضة من الباب، فإن روح اللعبة غالباً ما تغادر من النافذة، فقد قال جورج أورويل، في مقاله الشهير الروح الرياضية (1945): «إن الرياضة الجادة لا علاقة لها باللعب النظيف... إنها مجرد حرب ولكن بدون إطلاق رصاص، حيث تسود الكراهية والتعصب والاعتداء الأعمى على حرمة الآخرين.» فكرة القدم لم تعد مجرد مجنونة مستديرة تلاحقها الأقدام لإسعاد الملايين، بل تحولت في عالمنا المعاصر إلى مرآة مصقولة تعكس صراعات الأفكار والقوى العظمى، متحولة إلى ميدان خصب تفرض فيه الدول هيمنتها الجيوسياسية.

إنها النسخة التي يمكن وصفها بلا مواربة بأنها «أسوأ تنظيم» من حيث الروح الرياضية، بعد أن تغلغلت السياسة في مفاصل اللعبة، وتلاشت شعارات «الترحيب العالمي» لتسحقها المقصلة البيروقراطية والهوس الأمني الأمريكي، لكن الإشكالية لا تكمن في حق الدول في حماية أمنها القومي، فذلك حق سيادي مشروع، بل في اللحظة التي يتحول فيها هذا الحق إلى فلسفة إقصائية تجعل الزائر الرياضي يُعامل باعتباره مشروع تهديد محتمل قبل أن يكون ضيفاً أو مشاركاً في حدث عالمي..

وهُنا ساهمت الشعبوية السياسية والإفساد الفكري للإدارة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة في تكريس هذا المزاج. فبدلاً من أن يكون المونديال مناسبة لتقريب الشعوب، أصبح في بعض الأحيان جزءاً من الخطاب السياسي الداخلي، وأداة لإرسال رسائل تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

ولم يكن الجدل الدائر حول مونديال 2026 متعلقاً بالملاعب أو البنية التحتية أو الجوانب الفنية فحسب، بل امتد إلى ملفات التأشيرات وإجراءات الدخول والتنقل بشواهد من واقع المطارات الأمريكية والتأخير القنصلي وطول فترات كعائق حقيقي أمام الحضور الجماهيري، وهو ما أثار مخاوف واسعة داخل الأوساط الرياضية والإعلامية.

إنها مقصلة التعنت القنصلي في سلسلة من الأزمات الإدارية التي أثارت استياءً دولياً واسعاً، وحولّت بوابات المطارات الأمريكية إلى نقاط تفتيش مهينة للاعبين والمسؤولين كاحتجاز نجم العراق في مشهد يخلو من الاحترام الرياضي، تزامناً مع رفض دخول مصور المنتخب دون إبداء أي أسباب واضحة، كذلك «التسييس»، للوفد الإيراني بالبقاء في المكسيك، وحظرت دخولهم الأراضي الأمريكية إلا قبل يوم واحد فقط من موعد المباراة، مع فرض مغادرتهم فور انتهائها، ثُم إبعاد الحكام الدوليين كالحكم الصومالي الدولي «عمر عبد القادر أرتان»، تضاف إلى ذلك أزمة التأشيرات العالمية (B-1/B-2)، حيث امتدت طوابير الانتظار لمئات الأيام، ناهيك عن المقترح الأمريكي التعجيزي السابق الذي كان يفرض على مشجعي بعض الدول دفع كفالة مالية تصل إلى 15 ألف دولار لضمان عدم «كسر التأشيرة».

وكلما اختل التوازن، تراجعت القيمة الحضارية للحدث الرياضي مهما بلغت ضخامته، وقد اعترف الفيفا بضعفه القانوني أمام «إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية (CBP)»، فأمام هذا الجدار الأمني الأمريكي المتصلب، وجد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نفسه في موقف عجز وكأنه لا يتحرك إلا عبر مسارين لم يتجاوزا دور «الإسعافات الأولية»:

1 - نظام «FIFA PASS» لمنح الوفود واللاعبين الأولوية في المقابلات القنصلية، والضغط بنجاح لإلغاء كفالة الـ15 ألف دولار.

2 - الخط الساخن وآلية الشكاوى (72 ساعة) للبت في الخدمات بالمطارات والملاعب.

وإذا كان التنظيم القطري عام 2022 قد قدم نموذجاً فريداً من حيث التقارب الجغرافي وسهولة التنقل والراحة اللوجستية، ففي المقابل فنسخة 2026 تطرح تحدياً معاكساً تماماً، كونها ستُقام عبر ثلاث دول، وعشرات المدن، وآلاف الكيلومترات من التنقلات الجوية والبرية، وكأنه ماراثون أمريكي فاشل جغرافيًا يفرض رحلات طيران شاقة تؤثر سلباً على الاستشفاء البدني للاعبين، مما يجعل العدالة التنافسية في هذه البطولة محل شك كبير. وبالنسبة للمنتخبات العربية، فإن هذا الواقع يفرض أعباء إضافية لا ترتبط بالمستوى الفني، بل بالاستنزاف البدني والزمني والنفسي.

فالمنتخبات العربية لم تعد ضيف شرف على المسرح العالمي، بل أصبحت طرفاً منافساً قادراً على صناعة المفاجآت ومقارعة الكبار، لتشهد هذه النسخة مشاركة قياسية بوجود (8 منتخبات عربية) وهي مفارقة تاريخية يستحق الإشادة، على الرغم من أنها مجبرة على خوض منافساتها تحت وطأة ظروف لوجستية بالغة التعقيد، تتراوح بين مشقة التنقل عبر 16 مدينة شاسعة في 3 دول، وبين معركة فارق التوقيت البيولوجي القاسي..

مقارنة بين مونديال 2026 ومونديال السعودية 2034 وهي أمام فرصة تاريخية لتقديم نموذج مختلف، كونها تمتلك ميزة جغرافية واضحة تتمثل في وحدة الدولة المضيفة وتقارب المدن مقارنة بالنموذج الأمريكي-الكندي-المكسيكي. كما أن المملكة تمتلك التطور الهائل في البنية التحتية والمطارات والقطارات والمشروعات الرياضية التي يمنحها فرصة لصياغة تجربة أكثر سلاسة وتكاملاً.

وهناك بُعد إنساني يجعل من مونديال 2026 بطولة استثنائية، فربما تكون هذه هي الرقصة الأخيرة لعدد من أعظم الأسماء التي عرفتها كرة القدم الحديثة، لأجيال كاملة نشأت وهي تشاهد ليونيل ميسي، وكريستيانو رونالدو، ونيمار، وغيرهم من نجوم العصر الذهبي للعبة، وهُم في لحظة وداع رمزية لحقبة كاملة من تاريخ كرة القدم، وكان الأحرى بالإدارة المستضيفة أن تجعل من هذا الوداع كرنفالاً للسلام الإنساني، لا ساحة لتكريس الكراهية والنبذ والبغضاء.

وقفة

قال زيجمونت باومان، في كتابه «الأمن السائل «2006: إن الأمن الحقيقي لا يكمن في الدفاع عن الحدود ضد الغرباء، بل في خلق عالم لا يشعر فيه أحد بأنه غريب.» فملاحقة الأعراض لا تغني عن معالجة الجذور، وتجفيف المستنقع يظل أكثر فاعلية من مطاردة البعوض. وإذا كانت كرة القدم قد نجحت لعقود في جمع ما فرقته السياسة، فإن التحدي الحقيقي أمام العالم اليوم ليس حماية الملاعب فقط، بل حماية الروح الإنسانية التي جعلت من اللعبة الأكثر شعبية لغةً مشتركة بين الأمم.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...