Tuesday, April 28, 2026

All the News That's Fit to Print

خالد بن حمد المالك

لم تكن بيروت مدينة ككل المدن، ولا عاصمة لدولة كما هي عواصم الدول الأخرى، فقد كانت شيئاً آخر، ما جعلها وجهة الناس، والمدينة المفضَّلة للحالمين، والعاصمة التي لا مثيل لها.

* *

كانت بيروت أيقونة الشرق، وسحرها، الذي افتتن الناس بها، وهاموا في فضاء ما كان يسعدهم بين سهولها، وجبالها، وبحرها، وطبيعتها، وخدماتها التي لا مقارنة بينها وبين عواصم ومدن أخرى.

* *

كانت مدينة المكتبات، والكتَّاب، ودور النشر، والصحافة، والترجمة، وعمالقة الفكر والثقافة والشعر، والطرب، وبين بحرها وسهلها وجبلها تُنظَّم مواسم الترفيه، ويُصنع الفرح، ويغرق الحضور ببحر من السعادة والأنس في فضاءاتها.

* *

في بيروت كانت المشاهد جاذبة، حيث نظافة الشوارع، ونمط العمران، والأشجار الخضراء على امتداد النظر، ومن (البلكونات) لا نرى مشهداً صامتاً، وإنما كلها مملوءة بأشجار الزينة، وتلك التي تتدلى منها الزهور والورود.

* *

كانت المطاعم، والمقاهي، والمراكز الرياضية، جزءاً من شخصية بيروت، وإغراءات السفر إليها، فلا فراغ يشعر به السائح ليلاً أو نهاراً، فبيروت حيَّة على مدار الساعة بأنشطتها وفعالياتها ليلاً ونهاراً.

* *

كل هذا اختفى، فلم تعد بيروت هي بيروت، أصبحت موحشة، ومدينة للقتل، وللإرهاب، ولتصنيع وتهريب المخدرات، والإجهاز على كل ما هو جميل، أصبحت أشبه بمدينة أشباح، يسكنها من تعذَّر أن يجد فرصة من أهلها للهروب منها إلى أماكن آمنة.

* *

لا حكومة قادرة على ضبط الأمن بحزم، والسيطرة على مقاليد الحكم بقوة، فقد خرَّبها حزب الله، وعاث فيها فساداً، وقوَّض كل مشهد كان يقف الإنسان أمامه مبهوراً، ومعجباً، وعاشقاً.

* *

انتهت بيروت بعد أن أعلن الإيرانيون أنها إحدى عواصمهم، وبعد أن استقوى حزب الله عسكرياً ومادياً بفضل دعم إيران، وأقحم بيروت ولبنان كلها في صراع مع إسرائيل، وخلافات وقطيعة مع العرب، تحضيراً لهيمنة إيران على كل مفاصل لبنان، فكان أن اختفت بيروت التي نعرفها.

* *

لم تكن بيروت مدينة فحسب، وإنما كانت مدينة المدائن، وزهرة المدن، قبل أن تضع إيران قدمها لتخريب ما كان مثار إعجاب وإلهام كل من زارها، أو قرأ عنها، أو حُدِّث بما لا يعرفه عنها.

* *

الآن تمر المشاهد أمام أنظارنا عن بيروت بوجهها الجديد، فلا نصدِّق أن هذه التي كنا نزورها، وتثير إعجابنا، فقد هُدِّمت مبانيها، وخُرِّبت طرقاتها، وأُزيلت معالمها، وشُوِّهت بما جعلها غريبة ومختلفة عن واقعها.

* *

إسرائيل وإيران وحزب الله ثلاثي تعاونوا على قتل هذه المدينة الجميلة، والتنكيل بها، وزرع الألغام في كل غرفة من مبانيها، وعمَّموا السلاح بين كل من هو قادر على حمله، وأشاعوا ثقافة المخدرات وتعاطيها بين السكان والزائرين، وحولوها إلى مدينة خربة، وفي حالة ضياع.

* *

بيروت لن تعود إلى ما كانت عليه، بجدارياتها المزينة بلوحات تشكيلية، فقد أنهكها التجريف والتهديم، والتآمر على مستقبلها، وحوصرت بما لا حيلة لدى قادر بأن يعيدها مدينة للجمال الساحر، باسترداد شخصيتها وحالها الذي كان.

* *

كانت بيروت خيار أبناء الخليج وغير أبناء الخليج في التردد عليها، سياحةً، أو بحثاً عن علاج، أو مواصلة تعليم، فإذا بها الآن بلا مستشفيات، ولا جامعات يُعتد بها، وإذا بها غير آمنة للسياحة، ولم تعد المدينة التي تُغري أمام ظهور مدن تنافسها في دول أخرى، قريبة وبعيدة منها.

* *

ما يحدث لبيروت جريمة، وعدوان ثلاثي قوامه إسرائيل وإيران وحزب الله، هدفه إحراق هذه المدينة الجميلة، وتجريدها من كل ما كانت تُبهر به وتتميز به من طبيعة، وجمال، وخدمات، ما لا يوجد مثله في مدينة أخرى بهذا المستوى في مدن المنطقة.

* *

المؤسف، أن الحلول أصبحت عصيَّة على التنفيذ، فقد كانت المؤامرة متجذِّرة وكبيرة، لكي لا تعود بيروت إلى حالها السابق، مهما تنوَّعت المحاولات، إلا أن يشاء الله، فبيروت أضاعها أهلها، بعد أن استسلموا ليكون حزب الله هو الفاعل في تهديمها وتخريبها بأمر من ولاية الفقيه في طهران، وليس أمامهم الآن إلا الشكوى إلى الله.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...