Thursday, June 18, 2026

All the News That's Fit to Print

جانبي فروقة

في السياسة الدولية ليست كل الاتفاقات تُقاس بما تُحققه لحظة توقيعها بل بما تتركه من آثار بعد سنوات ولعل الملف النووي الإيراني يقدم أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على هذه الحقيقة فمنذ توقيع الاتفاق النووي عام 2015 وحتى التفاهم الجديد بين واشنطن وطهران في يونيو 2026 لم يكن العالم أمام خلاف تقني حول نسب التخصيب وأجهزة الطرد المركزي فحسب بل أمام صراع عميق بين رؤيتين مختلفتين للأمن والقوة ومستقبل الشرق الأوسط.

عندما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التفاهم الجديد مع إيران بأنه «جدار في وجه السلاح النووي» بدا التعبير جذاباً سياسياً لكن السؤال الذي يفرض نفسه على أي مراقب هو: هل يكفي بناء الجدار إذا كانت الأرض التي يستند عليها هي رمال متحركة غير مستقرة؟

ولفهم ما جرى خلال العقد الماضي لا بد من العودة إلى الفكرة التي حكمت كل الأحداث فالرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما كان ينطلق من قناعة مفادها أن المعرفة النووية لا يمكن محوها من عقول العلماء وأن الهدف الواقعي ليس القضاء على القدرات الإيرانية بالكامل بل احتواؤها وإخضاعها للرقابة ولهذا بُني اتفاق 2015 على مبدأ إطالة زمن الوصول إلى القنبلة النووية وفرض أعلى مستويات التفتيش الدولي مقابل رفع تدريجي للعقوبات وفي المقابل رأى الرئيس ترامب أن مجرد امتلاك إيران لقدرات نووية متقدمة يمثل خطراً بحد ذاته وأن سياسة الاحتواء ليست سوى تأجيل للمشكلة لذلك انسحب من الاتفاق عام 2018 وأطلق سياسة «الضغط الأقصى» معتقداً أن العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية ستدفع طهران إلى التراجع لكن التاريخ غالباً ما يكون أكثر تعقيداً من نظريات السياسيين فالاتفاق النووي لعام 2015 نجح بالفعل في تحقيق أهدافه المباشرة حيث تراجع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بصورة كبيرة وانخفض مستوى التخصيب إلى حدود الاستخدامات المدنية وخضعت المنشآت النووية لنظام تفتيش غير مسبوق وفي ذلك الوقت اعتبر كثير من الخبراء أن الاتفاق نجح في شراء الوقت ومنع اندلاع مواجهة عسكرية جديدة في المنطقة غير أن الاتفاق حمل في داخله نقاط ضعف أثارت جدلاً واسعاً فقد ركّز على الملف النووي وحده تاركاً البرنامج الصاروخي الإيراني خارج إطار المعالجة كما أن بعض القيود كانت مؤقتة وتنتهي تدريجياً مع مرور السنوات لهذا رأى معارضوه أنه لا يمنع المشكلة بقدر ما يؤجلها وهنا تحديداً بدأت المرحلة الأكثر حساسية في القصة فبعد انسحاب واشنطن من الاتفاق وعودة العقوبات لم يتراجع البرنامج النووي الإيراني كما كان متوقعاً بل تسارع بشكل لافت ومع مرور السنوات ارتفعت مستويات التخصيب وتزايدت كميات اليورانيوم المخصب ووصلت إلى 60% حتى أصبحت إيران أقرب من أي وقت مضى إلى العتبة النووية عند 90% مستوى تخصيب وهنا ظهرت المفارقة الكبرى وهي أن السياسة التي صُممت لردع إيران من الاقتراتب من السلاح النووي ساهمت عملياً في تقريبها منه.

هذا التطور ليس جديداً في علم العلاقات الدولية فالمفكر الأمريكي جون هرتز أحد أبرز منظري مفهوم «معضلة الأمن» أوضح أن الدول غالباً ما تتخذ إجراءات دفاعية لحماية نفسها لكن الطرف الآخر يفسرها باعتبارها تهديداً فيرد بخطوات مضادة فتدخل الأطراف جميعها في دوامة تصعيد لا يرغب فيها أحد وما حدث بين واشنطن وطهران خلال السنوات الماضية يمثل نموذجاً شبه مثالي لهذه المعضلة. ثم جاءت المواجهات العسكرية المباشرة لتضيف طبقة جديدة من التعقيد فالصراع لم يعد مقتصراً على العقوبات والضغوط الدبلوماسية بل انتقل إلى استخدام القوة العسكرية بصورة غير مسبوقة وشهدت المنطقة جولات من الضربات المتبادلة والهجمات على المنشآت النووية والقواعد العسكرية والمدنية لدول الجوار لتدخل العلاقة الأمريكية الإيرانية مرحلة مختلفة تماماً عما عرفته خلال العقود السابقة.

والسؤال الأهم لم يكن حجم الدمار الذي أصاب المنشآت بل الأثر النفسي والاستراتيجي الذي خلفته هذه المواجهات داخل إيران نفسها فالدول لا تتصرف وفق الحسابات التقنية وحدها بل وفق إدراكها لمستوى التهديد الذي تواجهه وكما قال الدبلوماسي الأمريكي المخضرم جورج كينان: «الشعور بالخوف يصنع السياسات بقدر ما تصنعها المصالح» ومن هذه الزاوية، قد تكون الضربات العسكرية قد أبطأت بعض القدرات التقنية لكنها في الوقت نفسه عززت لدى قطاعات واسعة من النخبة الإيرانية قناعة مفادها أن امتلاك وسائل ردع قوية هو الضمان الوحيد لمنع تكرار مثل هذه الهجمات مستقبلاً.

وهنا نصل إلى المعضلة الفلسفية التي تقف في قلب الملف النووي كله وهي هل يتحقق الأمن من خلال نزع قدرات الخصم أم من خلال بناء بيئة تجعله لا يشعر بالحاجة إلى امتلاك تلك القدرات أصلاً؟

وهذا السؤال ليس جديداً فقد كتب المفكر البريطاني إي. إتش. كار قبل عقود «أن السلام المستدام لا يقوم على توازن القوة وحده بل على معالجة أسباب الخوف وانعدام الثقة بين الأطراف» ومن دون ذلك تبقى الاتفاقات مجرد فترات هدنة مؤقتة.

عندما ننظر إلى تفاهم يونيو 2026 نجد أنه يختلف جذرياً عن اتفاق 2015 فالاتفاق الأول وُلد من مفاوضات طويلة شاركت فيها قوى دولية عديدة بينما جاء التفاهم الجديد بعد حرب وتصعيد ومواجهة مباشرة لذلك بدا أقرب إلى محاولة لوقف النزيف ومنع الانفجار الفوري منه إلى تسوية استراتيجية شاملة وإذا كان اتفاق أوباما قد سعى إلى منع أزمة مستقبلية فإن تفاهم ترامب جاء لإدارة أزمة وقعت بالفعل أما التداعيات الأوسع لهذا العقد من الصراع فتتجاوز بكثير الملف النووي نفسه فعلى المستوى الجيوسياسي شهد العالم تراجعاً واضحاً للدبلوماسية متعددة الأطراف وصعوداً أكبر للمفاوضات الثنائية والوسطاء الإقليميين وعلى المستوى الاقتصادي أثبتت أزمة مضيق هرمز أن الطاقة لا تزال إحدى أقوى أدوات النفوذ في العالم وأن أي اضطراب في الخليج قادر على هز الاقتصاد الدولي بأكمله لكن ربما تبقى الكلفة الثقافية والإنسانية هي الأقل ظهوراً والأكثر عمقاً في الوقت نفسه فقد نشأ جيل كامل في الشرق الأوسط خلال سنوات من العقوبات والتوترات والحروب بالوكالة حتى أصبحت أسئلة القوة والبقاء تطغى على أسئلة التنمية والابتكار والمستقبل وكأن المنطقة ظلت طوال عقد كامل منشغلة بإدارة المخاطر أكثر من انشغالها بصناعة الفرص في نهاية المطاف وبعد سنوات من العقوبات والضغوط والضربات العسكرية والتصعيد المتبادل عاد الأمريكيون والإيرانيون إلى المكان ذاته الذي بدأوا منه وهي طاولة التفاوض لكنهم عادوا إليها في عالم مختلف ظروفه وبرنامج نووي أكثر تطوراً وصواريخ أكثر حضوراً وتأثيرا ومستويات غير مسبوقة من انعدام الثقة وهنا يبرز الدرس الأهم الذي يقدمه هذا الملف لكل دارسي السياسة الدولية وهو أنه قد تستطيع دولة ما أن تدمر منشأة نووية أو تعطل برنامجاً تقنياً أو تفرض عقوبات خانقة لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تزيل شعور دولة أخرى بالحاجة إلى الأمن وكما قال المفكر الأمريكي هنري كيسنجر:

«النظام الدولي المستقر لا يقوم فقط على توازن القوى بل على شعور الأطراف بأن أمنها الأساسي مضمون».

إن التحدي الحقيقي لم يكن يوماً في عدد أجهزة الطرد المركزي أو كمية اليورانيوم المخصب بل في كيفية بناء منظومة إقليمية تجعل اللجوء إلى السلاح النووي خياراً غير ضروري أصلاً وما لم يتحقق ذلك فإن أي جدار يُبنى بالعقوبات أو بالقوة العسكرية سيظل عرضة للسقوط لأن الجدران قد تحمي الحدود لكنها لا تعالج مخاوف الدول التي تقف خلفها وربما يكون الدرس الأبلغ أن السلام لا يبدأ عندما يتوقف إطلاق النار بل عندما يقتنع كل طرف بأن بقاءه وأمنه لا يعتمدان على خوف الطرف الآخر وما عدا ذلك ليس سوى هدنة مؤقتة بين جولة وأخرى من الصراع ونستذكر هنا قصة سور الصين العظيم فعندما اكتمل بناؤه ظنّ الأباطرة أنهم شيّدوا نهاية الخطر حيث كان السور يمتد آلاف الكيلومترات ويبدو من بعيد كأنه حاجز بين الحضارة والفوضى لكن التاريخ سخر من الفكرة ففي أكثر من مناسبة لم يسقط السور بالقوة بل فُتحت أبوابه من الداخل عندها كتب أحد المؤرخين الصينيين أن الأمة التي تحتاج إلى جدار لتحمي نفسها تحتاج أولاً إلى أن تحمي ما خلف الجدار فليست كل الثغرات تُحفر في الحجر بعضها يُحفر في العقول والقرارات.

** **

- كاتب أمريكي

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...