Thursday, April 16, 2026

All the News That's Fit to Print

هدى بنت فهد المعجل

في زمنٍ يقيس القيمة بالسرعة، ويمنح الجوائز لمن يصل أولًا، أصبح البطء تهمة، والتأني ضعفًا، والعمق ترفًا لا وقت له. نعيش كأننا في سباق لا نعرف خط نهايته، نركض لأن الجميع يركض، ونسرّع لأن الوقوف صار يثير الشبهة. لكن السؤال الذي لا يُطرح غالبًا: إلى أين؟

البطء ليس نقيض الحياة، بل شرط من شروطها. فالأشياء العميقة لا تولد مسرعة، ولا تنضج تحت ضغط التوقيت. الجذور لا تتفاخر بسرعة نموها، لكنها وحدها التي تمنح الشجرة ثباتها. والبحار لا تُقاس بحركة سطحها، بل بعمق سكونها.

نحن نخلط بين الإنجاز والمعنى. نكدّس الأيام كما تُكدّس الملفات، ونحسب العمر بعدد ما أُنجز لا بما فُهم. نخرج من التجارب بسرعة قبل أن تترك أثرها، وننتقل من فكرة إلى أخرى قبل أن تنضج الأولى. صرنا نعرف الكثير عن كل شيء، ولا نعرف شيئًا عن أنفسنا.

المعنى لا يُصنع بالضجيج، بل بالعلاقة الحميمة مع الشيء. مع الفكرة حين نجلس معها طويلًا، ومع الحرفة حين تكرر الخطأ حتى تصيب، ومع النفس حين تُمنح وقتها لتتحدث دون استعجال. لهذا كانت الأعمال اليدوية، والفنون البطيئة، والقراءة العميقة، أشبه بمقاومة صامتة لعصر الاستهلاك السريع.

في البطء تتكشف التفاصيل. نلاحظ ما كنا نتجاوزه: رعشة الصوت قبل القرار، تردد اليد قبل اللمسة، الفكرة التي كانت تحتاج سؤالًا واحدًا فقط لتتضح. البطء لا يعطلنا عن الحياة، بل يعيدنا إليها.

الغريب أن أكثر ما يُفتقد اليوم ليس الوقت، بل الحضور. نحن موجودون في أماكن كثيرة، لكننا غائبون عنها. نأكل دون أن نتذوق، نسمع دون أن نصغي، نعمل دون أن نشعر. كأننا نخشى أن نكون وحدنا مع اللحظة، لأن اللحظة صادقة، والصدق مرهق.

العمق لا يأتي من كثرة التجارب، بل من الصدق مع تجربة واحدة. من أن تسمح لها أن تلمسك، أن تغيّرك، أن تترك فيك أثرًا. لهذا تبدو بعض الحيوات غنية رغم بساطتها، وأخرى فقيرة رغم ازدحامها.

ليس المطلوب أن ننسحب من العالم، ولا أن نرفض التطور، بل أن نختار إيقاعنا. أن نُعيد الاعتبار للأشياء التي لا تُقاس بالأرقام: الفهم، الطمأنينة، الإتقان، والمعنى. أن نمنح بعض الأيام حقها في أن تكون عادية، وبعض الأحلام حقها في أن تتأخر.

ربما الحكمة الأعمق ليست في أن نعرف كيف نصل بسرعة، بل أن نعرف متى نتوقف، ومتى نمشي على مهل، ومتى نجلس لنفهم لماذا بدأنا أصلًا.

في عالم يصفق للسرعة، قد يكون البطء فعل شجاعة.

وفي زمن الضجيج، قد يكون الصمت أبلغ تعبير عن الوعي.

أما المعنى.. فهو دائمًا ينتظر من يقترب منه بهدوء.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...