Sunday, April 19, 2026

All the News That's Fit to Print

د.زيد محمد الرماني

هناك آراء على طرفي نقيض حول هذا السؤال اليسير ظاهريًا، ويعكس الجدل الدائر حول البلدان النامية هوة عميقة مشابهة في مجتمعنا بين أولئك الذين يعتقدون أن الأفراد الفقراء هم فقراء بسبب عوامل ضمن سيطرتهم، ومن يعتقدون أنهم فقراء لعوامل لا يد لهم فيها.

هكذا بين تيمونز روبيرتس رؤيته ضمن كتابه «من الحداثة إلى العولمة»، بل وطرح السؤال المهم التالي:

من الملوم؟ الفقراء أم مجتمعهم؟!!

لقد تكرر هذا الجدل في كلاسيكيات قديمة، إذ لم يعد محصورا في المفكرين فقط، إنه سرعان ما يحلل خطاب السياسيين ودوائر الأعمال واتحادات العمال والمدافعين عن الفقراء.

وهناك تماثل مثير للدهشة بين تلك النقاشات الوطنية الحادة والنقاشات حول سبب فقر البلاد الفقيرة وما يجب عمله بشأنها.

لماذا تبقى بعض البلاد فقيرة ومتخلفة على رغم الانفتاح على الرأسمالية، وعلى مظاهر أخرى للحياة الحديثة؟ ماذا يمكن فعله لجعل الرأسمالية تنمو إلى مدى أبعد في تلك البلاد؟ تلك كانت الأسئلة التي وجهها فريق من المنظرين الذين أثرت أفكارهم بشدة في جهود أمريكا، لتعزيز تنمية الرأسمالية في البلاد الأفقر التي دعيت حينئذ بـ (العالم الثالث).

بعد الحرب العالمية الثانية، وجدت الولايات المتحدة نفسها وحيدة على قمة بنية القوة العالمية، كانت الأمة الوحيدة، من كلا جانبي الحرب التي لم تصب بنيتها التحتية من طرقات وجسور وأبنية وبنوك بأذى، وكان لها شبه احتكار للتقنية الحديثة، وصناعتها في مصانع تؤهلها لإنتاج السلع التي تباع بسعر عالٍ في أرجاء العالم، ولكن نمو اقتصادها كان سيظل محصورًا في حدودها من دون تفعيل الاقتصادات لشراء هذه المنتجات، وكانت مساعدة أوروبا وآسيا على استعادة عافيتها هي الشيء الصحيح المفترض القيام به، والفشل في القيام بذلك قد يخاطر بالسماح للشيوعية بالانتشار، لذلك وضعت خطة مارشال لمساعدتهم في إعادة البناء.

لقد كان السياسيون وخبراء التنمية والأكاديميون خائفين من أن تقرر شعوب أمريكا اللاتينية وإفريقيا أن الشيوعية طريق للتنمية أكثر ضمانًا من الرأسمالية، وردًا على ذلك قدمت نظريات التنمية التي ولدت في الخمسينات والستينات في أمريكا حلًا لا شيوعيًا واضحًا للفقر والتخلف.

ورأت مجموعة من خبراء التنمية الذين لهم تأثيرهم، ثلاث مشكلات واضحة تعيق التصنيع في البلاد الفقيرة، فأولًا: لم تكن الشركات هناك كبيرة بما يكفي لإنشاء المصانع الحديثة المطلوبة للتنافس مع شركات القوى الكبرى في أوروبا وأمريكا الشمالية، وثانيًا: سمحت قدرة الشركات العالمية على تحصيل مقادير كبيرة من رأسمال في تلك البلاد المتقدمة بتطوير وتبني تقنيات جديدة باستمرار، وذلك ما كان ينقص البلاد الفقيرة بشكل موجع، وثالثًا: وهو الأمر الأكثر أهمية: أنهم رأوا في الملامح الثقافية والمؤسساتية والتنظيمية للبلاد الفقيرة عقبات في طريق محاولتها للنمو والتحول إلى الديمقراطية.

ولفهم الفجوة بين الدول الأكثر غنى والدول الأشد فقرًا، سبر منظرو التحديث عملية التنمية وقدموا لوحة مركبة لما يعنيه أن تكون حديثًا.

وبعد عقدين من التحكم في دوائر التنمية، تعرضت نظرية التحديث لهجوم من زوايا عدة، فأولًا:

أصبح ينظر إليها على أنها نظرية لا تاريخية، إذ فشلت في إدراك الفوارق بين البلاد أو الأقاليم أو الشروط البنيوية أو الخبرات التاريخية الخاصة.

فمثلًا لم يعالج منظرو الحداثة حقيقة أن هذه الأقاليم الأشد فقرًا لا تعكس حالة واحدة من الفقر أو نوعًا واحدًا من المجتمعات، بل وضعًا مركبًا لما قبل التحديث. وقد شكا النقاد بشكل متزايد من أن التحديث ما هو إلا كناية ملطفة عن «الأمركة»، وهي فكرة تدعمها قراءة أدق للعديد من المؤلفين الأوائل الذين ساروا على الدرب نفسه، وأعلن النقاد أن أسبابًا خارجية مهمة تسبب الفقر والتخلف قد أهملت.

ختامًا أقول: أعتقد أن علماء الاجتماع العاملين في مجال التنمية بحاجة إلى أن يكونوا مدركين للجدل الذي سبقهم، جلاءً لبصيرتهم وتجنبًا لتكرار الأخطاء القديمة، فعلى الرغم من أن مساعدة الأمم الفقيرة سبب كافٍ للاهتمام، بيد أن علوم التنمية الاجتماعية وأبحاث العولمة والنتائج البيئية للتنمية لا تدع مجالًا للشك في أن مصيرنا مرتبط بشكل معقد بمصير ثمانية بلايين من البشر نشاركهم الكوكب.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...