Thursday, April 16, 2026

All the News That's Fit to Print

محمد بن عبدالله آل شملان

ليست اللغةُ حروفاً تُكتَب فحسب، ولا أصواتاً تُنطَق ثم تتلاشى في الهواء، اللغة وطن آخر يسكننا، وذاكرة تمشي معنا أينما ذهبنا، ومرآة تعكس ملامح الروح قبل ملامح الوجه. وحين تصان اللغة، يصان القلب الذي يتكلم بها.

في مدينة الرياض، حيث تتقاطع القرارات مع تطلعات الوطن، انعقدت مؤخراً جلسة مجلس الوزراء السعودي برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لتُسجَّل لحظة جديدة من لحظات العناية بالهوية، وموقف يحمل من المعنى أكثر مما تحمله الكلمات: اعتماد السياسة الوطنية للغة العربية.

لم يكن القرار إدارياً بارداً، ولا إجراء تنظيمياً عابراً، بل بدا كأن الوطن يضع يده على قلبه، ويقول: هذه لغتي، وهذا جذري الذي لا أتنازل عنه.

فاللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل في هذه الأرض؛ إنها صوت التاريخ حين يروي بطولات الآباء، وهي الدعاء الذي يرتفع في السماء، وهي القصيدة التي تحفظ وجدان الناس، والعبارة التي تتوارثها الأمهات في الحكايات الأولى. هي الخيط الخفي الذي يجمع بين الأجيال، ويمنح الهوية ملامحها الواضحة.

وجاءت الموافقة على هذه السياسة لتؤكد أن العناية بالعربية ليست حنيناً للماضي، بل استثماراً في المستقبل. أن نحمي اللغة يعني أن نحمي وعينا، وأن نرسخ حضورها في التعليم والإعلام والإدارة والتقنية يعني أن نجعلها لغة حياة يومية، لا لغة مناسبات.

في الفصول الدراسية، ستكبر الكلمات مع الأطفال فتمنحهم ثقة الانتماء، وفي وسائل الإعلام، ستتوهّج العبارة فتروي الحكاية بلسان أصيل، وفي المؤسسات والإدارات، ستصبح العربية عنوان الاحتراف والوضوح، وفي التقنية، ستثبت أن لغة الضاد قادرة على مواكبة الخوارزميات والابتكار كما واكبت الشعر والفلسفة والعلم عبر القرون.

إن السياسة الوطنية للغة العربية تسعى إلى بناء بيئة تشريعية وتنظيمية تحمي اللغة وتمكّنها، وتفتح لها الأبواب لتكون حاضرة في كل مشهد من مشاهد الحياة العامة. إنها دعوة لأن تكون العربية خياراً أول، لا بديلاً، وأن تتحول من واجب ثقافي إلى ممارسة طبيعية نعتز بها.

وكل ذلك ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي لا ترى التنمية أرقاماً ومشاريع فقط، بل إنساناً بهويته وثقافته وروحه. فالتقدم الحقيقي لا يكتمل إن فقدت الأمم لغتها، لأن اللغة هي البوصلة التي تمنعها من الضياع وسط العولمة.

في هذا القرار، شعور دافئ بأن الوطن لا يركض نحو المستقبل وهو يلتفت إلى الوراء بحسرة، بل يمضي للأمام وهو يحمل تاريخه على كتفيه بفخر. كأن العربية تقول لأبنائها: أنا لست عبئاً على الحداثة، أنا جسرها.

وكم هو جميل أن نرى دولة تحتفي بلغتها كما تحتفي بإنجازاتها، وتدرك أن الكلمة هي البداية الأولى لكل حضارة. فالحضارات تُبنى بالفكر، والفكر يُصاغ بلغة، وإذا كانت اللغة قوية حيّة، كان الوطن كذلك.

إن اعتماد السياسة الوطنية للغة العربية ليس مجرد خبر في نشرة، بل وعد صامت للأجيال: أن تبقى العربية بيتهم الآمن، وصوتهم الواضح، وجذورهم الضاربة في الأرض.

وما أصدق اللحظة حين ندرك أن حماية اللغة، هي في الحقيقة حماية لروح الوطن ذاته.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...