Thursday, April 30, 2026

All the News That's Fit to Print

صبحي شبانة

في عالمٍ تتداخل فيه عناصر القوة، وتتسارع فيه تحولات المصالح، لم تعد الجغرافيا وحدها قادرة على تفسير ما يجري، ولا الأدوات التقليدية كافية لاستيعاب تعقيدات المشهد، فالمعادلات الدولية باتت أكثر سيولة وتشابكًا، تتبدل فيها موازين التأثير بوتيرة متسارعة، وتُعاد صياغة مفاهيم النفوذ وفق اعتبارات تتجاوز البعد الواحد إلى فضاءات أوسع وأكثر تركيبًا، وفي هذا السياق، تبدو المنطقة أمام لحظة فارقة تتداخل فيها المسارات السياسية مع الأبعاد العسكرية والتكنولوجية، في مشهد لا تحكمه الثنائيات التقليدية بقدر ما تصوغه تفاعلات متعددة الولاءات والمستويات، وهنا لا يعود الفعل السياسي مجرد استجابة للمتغيرات، بل محاولة واعية لإعادة تشكيلها، والانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء التوازنات وصياغة استقرارٍ أكثر استدامة، في عالمٍ لا يمنح فرصًا كثيرة للثبات، بل يدفع نحو حركة دائمة وإعادة تعريف مستمرة للقوة ودورها وحدودها.

لم تكن القمة الخليجية الاستثنائية التي احتضنتها مدينة جدة حدثًا طارئًا فرضته تداعيات الحرب الأمريكية - الإيرانية، بل جاءت كتعبير قوي وصارم عن وعي سياسي خليجي يتبلور في مواجهة مرحلة إقليمية تتسم بقدر عالٍ من السيولة وعدم اليقين الاستراتيجي، ففي هذا التوقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران، وتزايد المؤشرات على احتمالات انزلاق المنطقة نحو جولة جديدة من التصعيد، اختارت المملكة العربية السعودية أن تدعو إلى اجتماع استثنائي يعيد ضبط الإيقاع الخليجي، ويؤسس لموقف موحد في مواجهة التحديات المتصاعدة.

غير أن دلالة القمة لا تتوقف عند بعدها السياسي أو الأمني، بل تتجاوز ذلك إلى بعد رمزي بالغ العمق؛ إذ انعقدت في جدة، البوابة البحرية للمملكة، وفي الوقت ذاته الذي تستقبل فيه البلاد ملايين الحجاج القادمين لأداء مناسك الحج، هذا التزامن لم يكن مجرد صدفة زمنية، بل حمل في طياته رسالة واضحة، أن المملكة، وهي تدير واحدة من أعقد عمليات الحشد البشري في العالم بكفاءة استثنائية، قادرة في الوقت ذاته على إدارة توازنات سياسية وأمنية لا تقل تعقيدًا، وبذات القدر من الاحتراف والانضباط.

في قلب هذا المشهد، برز دور سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يقود تحركًا سياسيًا يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة، فالحالة الراهنة لم تعد تحتمل الانتظار أو الرهان على توازنات خارجية، بل باتت تتطلب صياغة موقف خليجي ذاتي، يستند إلى وحدة الرؤية وتكامل الأدوات، ومن هنا، جاءت الدعوة إلى القمة باعتبارها خطوة استباقية تهدف إلى الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى هندسة التوازن.

لقد كشفت التطورات الأخيرة عن هشاشة التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث لم تنجح الجهود الدبلوماسية في تثبيت هدنة مستدامة، ما أعاد إلى الواجهة سيناريوهات التصعيد، ليس فقط على مستوى الخطاب السياسي، بل عبر أدوات أكثر خطورة، تمثلت في الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، التي استُخدمت في استهداف عدد من دول الخليج خلال الفترة الماضية، لم تعد مجرد وسائل ضغط، بل تحولت إلى عنصر رئيسي في معادلة الردع الإقليمي، بما يفرض إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الخليجي.

وفي هذا السياق، اكتسبت القمة الخليجية في جدة أهمية مضاعفة؛ فهي ليست مجرد منصة للتشاور، بل مساحة لإعادة بناء الثقة، وتوحيد الرؤى، وصياغة استراتيجية مشتركة قادرة على التعامل مع التهديدات المركبة، فالتحدي لم يعد تقليديًا يمكن مواجهته بأدوات تقليدية، بل أصبح متعدد المستويات، يجمع بين العسكري والتكنولوجي والسياسي، ما يتطلب استجابة شاملة تتجاوز حدود التنسيق إلى مستوى التكامل.

لقد أدركت دول الخليج أن أمنها لم يعد قابلًا للتجزئة، وأن أي تهديد يطال إحدى دوله هو بالضرورة تهديد للمنظومة بأكملها، ومن هنا، فإن القمة تمثل محاولة جادة لترسيخ مفهوم الأمن الجماعي، ليس كشعار سياسي، بل كخيار استراتيجي تفرضه طبيعة المرحلة، وهو ما يعني، عمليًا، تعزيز التعاون في مجالات الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير القدرات التقنية، بما يضمن بناء منظومة ردع قادرة على احتواء التهديدات قبل أن تتحول إلى أزمات مفتوحة،

لكن الأهم من ذلك أن القمة حملت في طياتها رسالة سياسية واضحة إلى الأطراف الإقليمية والدولية على حد سواء ألا وهي أن دول الخليج ليست ساحة مفتوحة للصراعات، بل فاعل رئيسي يمتلك القدرة على حماية مصالحه، وصياغة خياراته، وفرض معادلاته، وهذه الرسالة تكتسب قوتها من التوقيت، ومن المكان، ومن السياق العام الذي انعقدت فيه القمة.

ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى المشهد الأمني، كانت المملكة تدير بهدوء وثقة، واحدة من أعقد العمليات الإنسانية في العالم، عبر استقبال وتنظيم حركة ملايين الحجاج، هذا التوازي بين إدارة الحشود وإدارة الأزمات يعكس نموذجًا فريدًا في القيادة، يقوم على مبدأ التوازن بين الداخل والخارج، بين الإنسان والأمن، بين الروح والسياسة.

ومن هنا، يمكن قراءة القمة الخليجية في جدة بوصفها تجسيدًا لفلسفة سياسية متكاملة، ترى أن الأمن لا يُبنى فقط عبر القوة، بل عبر الاستقرار، وأن الاستقرار لا يتحقق إلا من خلال تنمية الإنسان، وتعزيز الثقة، وبناء مؤسسات قادرة على التعامل مع الأزمات بكفاءة، وهي فلسفة تعكس التحولات العميقة التي تشهدها المملكة في إطار رؤيتها الطموحة، والتي أعادت تعريف دورها الإقليمي والدولي.

لقد نجحت القمة في إعادة توجيه البوصلة الخليجية نحو هدف واضح، بناء موقف موحد، وتعزيز القدرة على الردع، وتأكيد أن أمن الخليج خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو ما يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة العمل الخليجي المشترك، الذي انتقل من مرحلة التنسيق إلى مرحلة الفعل الجماعي المنظم،

كما أن القمة فتحت الباب أمام إعادة تقييم العلاقات مع القوى الدولية، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها النظام العالمي، حيث لم تعد التحالفات التقليدية كافية لضمان الأمن، ما يفرض على دول الخليج البحث عن صيغ جديدة للتعاون، تقوم على المصالح المشتركة، والتوازن في العلاقات، والاستقلال في القرار.

وفي قراءة أعمق، يمكن القول إن ما جرى في جدة يتجاوز حدود اللحظة الراهنة، ليؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ الخليج، عنوانها الاستباق الاستراتيجي، فبدلًا من انتظار الأزمات والتعامل معها بعد وقوعها، تسعى دول الخليج، بقيادة المملكة، إلى بناء منظومة قادرة على التنبؤ بالمخاطر، والتعامل معها قبل أن تتفاقم.

وهنا، تبرز أهمية البعد الرمزي للقمة، ليس فقط من حيث المكان، بل من حيث التوقيت، فانعقادها في موسم الحج يحمل رسالة إنسانية وسياسية في آن واحد، أن هذه المنطقة، التي تحتضن أقدس بقاع الأرض، ليست ساحة للحروب، بل فضاء للتلاقي، وأن أمنها واستقرارها مسؤولية جماعية لا يمكن التفريط فيها.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم التحرك السعودي أيضًا باعتباره محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الأمن والتنمية، فالمملكة التي تمضي قدمًا في تنفيذ مشاريع تنموية كبرى، تدرك أن أي تهديد أمني من شأنه أن يعرقل مسار التقدم، ومن ثم فإن حماية الاستقرار الإقليمي ليست خيارًا، بل ضرورة لضمان استدامة النمو.

كما أن القمة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحديات التي تواجه المنطقة لم تعد تقليدية أو محصورة في بعد واحد، بل أصبحت مركبة ومتداخلة، تشمل الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية وحتى البيئية، ما يفرض تبني مقاربة شاملة للأمن، تتجاوز المفهوم العسكري الضيق إلى مفهوم أوسع يشمل أمن الطاقة، وأمن الغذاء، وأمن الفضاء السيبراني.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، ليس فقط في المجال العسكري، بل أيضًا في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد، بما يسهم في بناء قدرات ذاتية قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية، وهو ما يتطلب بدوره، استثمارًا أكبر في التعليم والبحث العلمي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأي مشروع نهضوي.

إن القمة الخليجية في جدة لم تكن مجرد رد فعل على تطورات آنية، بل كانت خطوة محسوبة ضمن رؤية استراتيجية أوسع، تهدف إلى إعادة رسم خريطة التوازنات في المنطقة، بما يضمن تحقيق الاستقرار، وتعزيز الأمن، وفتح آفاق جديدة للتعاون.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو القمة كأنها لحظة مفصلية، تعيد رسم ملامح التوازن في المنطقة، وتؤكد أن الخليج، رغم كل التحديات، لا يزال قادرًا على المبادرة، وعلى فرض حضوره، وعلى الدفاع عن مصالحه، ليس فقط بالقوة، بل بالحكمة أيضًا.

وهكذا، تثبت المملكة العربية السعودية مرة أخرى أنها ليست مجرد لاعب إقليمي، بل صانع توازنات، وقائد مسارات، وقوة استقرار في منطقة تعج بالتحديات، ومن جدة، حيث تلتقي السياسة بروح المكان، تنطلق رسالة واضحة، أن الأمن الخليجي لم يعد خيارًا، بل ضرورة، وأن وحدته هي الضمانة الوحيدة لعبور هذه المرحلة بأقل الخسائر وأكثر المكاسب.

إنها قمة الضرورة، لكنها أيضًا قمة الفرصة.. فرصة لإعادة بناء منظومة أمنية أكثر صلابة، وأكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على مواجهة عالم يتغير بسرعة، ولا يعترف إلا بالأقوياء القادرين على التكيف وصناعة المستقبل.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...