Thursday, April 16, 2026

All the News That's Fit to Print

د. محمد بن إبراهيم الملحم

منذ سنوات طويلة ونحن نردّد في مدارسنا وجامعاتنا مقولة تبدو براقة: «المهم الفهم لا الحفظ». تحوّلت هذه العبارة إلى شعار تربوي رائج، وكأنها حقيقة مسلَّم بها لا تقبل النقاش. وباسمها جرى التقليل من شأن الحفظ، والاختبارات التي تقيس المعرفة الأساسية، والدعوة إلى التركيز على ما يسمّى «مهارات التفكير العليا»، وهي تتمثل في: الفهم والتطبيق -التحليل والتركيب- النقد والتقويم، والتي يعبر عنها العامة عادة بتعبير واحد يشملها كلها (أو هو بوابتها) هو «الفهم»، ومع الأهمية الكبرى لمهارات التفكير العليا هذه إلا أن تعظيم أهميتها والتقليل في نفس الوقت من شأن الحفظ له مخاطره!

والسؤال العلمي الذي لا يُطرح غالبًا هو: هل هذه الثنائية بين الحفظ والفهم صحيحة أصلًا؟ كما يمكننا أن نعيد السؤال بالقول: هل يمكن فعلًا أن يوجد فهم عميق بلا معرفة محفوظة عميقة أيضا؟ أم أننا صنعنا بأيدينا صراعًا وهميًا بين عنصرين لا غنى لأحدهما عن الآخر؟

الأبحاث الحديثة في علم النفس المعرفي، ونظريات التعلم، ودراسات الخبرة البشرية، تقدّم إجابة واضحة: فالحفظ والفهم ليسا نقيضين، بل شريكان متلازمان، ومن دون رصيد معرفي محفوظ لشكل جيد، لا يمكن للتفكير العالي أن يعمل بكفاءة، فـ«لا» للفهم وحده، و«لا» للحفظ وحده.. ونحتاج أن نبحر قليلا في هذه الأطروحة لنفهم مصدر المشكلة وجوانبها فنبدأ بتصنيف بنجامين بلوم (Benjamin Bloom) الذي أطلقه عام 1965 مكونا من ستة مستويات تبدأ بالحفظ كأدنى مستوى وترقى بعد ذلك في ما يمكن أن أطلق عليها (تجاوزا) مستويات الفهم وهذا الهرم المعرفي الشهير يستشهد به أكثر التربويين ليبرّروا إهمال الحفظ، بحجة أن «التذكر» يقع في أسفل الهرم المعرفي، بينما هي قراءة مغلوطة للتصنيف (أو للهرم)، فإن بلوم لم يضع التذكر في الأسفل ليتم التقليل من شأنه (لدرجة تجاوزه أحيانا!)، بل ليؤكد أنه القاعدة التي تُبنى عليها المستويات اللاحقة، وعندما جرى تحديث التصنيف لاحقًا عام 2001 على يد أندرسون وكراثوول (Anderson الجزيرة Krathwohl)، تم التأكيد بوضوح على أن عمليات التحليل والتقويم والإبداع لا يمكن أن تحدث إلا على محتوى معرفي مخزّن مسبقًا في الذاكرة، فلا معنى لأن نتوقع من طالب تحليل قصيدة وهو لا يعرف مفرداتها معرفة عميقة، أو نتوقع منه تقويم تجربة علمية وهو لم يحفظ مفاهيم العلم الأساسية المرتبطة بها حفظا متقنا لايتوارد عليه الشك! إذن، فهرم بلوم ليس دعوة لتهميش الحفظ، بل وصفٌ علمي لترتيب عمليات العقل: لا تحليل بلا معرفة محفوظة، ولا إبداع بلا أساس محفوظ، بل يجب أن تكون هذه المحفوظات موجودة بقوة وتمكن في الذاكرة من أجل تحليلات وعمليات تفكير عليا صحيحة وجيدة.

وربما نتساءل ما الذي تقوله العلوم الحديثة عن العقل والذاكرة في هذا السياق! لنجد أن الباحث الأسترالي جون سويلر (John Sweller) قدّم في ثمانينيات القرن الماضي (1988) ما عُرف بنظرية العبء المعرفي Cognitive Load Theory، وهي تُعد اليوم من أكثر النظريات تأثيرًا في فهم عملية التعلم وعلاقتها بالحفظ والتذكر، وخلاصة النظرية بسيطة لكنها عميقة: الذاكرة العاملة لدى الإنسان محدودة جدًا، ولا تستطيع معالجة كمٍّ كبير من المعلومات الجديدة في الوقت نفسه.

أما الذاكرة طويلة المدى فهي مخزن هائل قادر على الاحتفاظ بكمية ضخمة من المعارف، وعندما يواجه الطالب درسًا جديدًا دون أن يمتلك معرفة أساسية محفوظة حفظا قويا، تُستنزف ذاكرته العاملة في محاولات فهم الأوليات، فيعجز عن التحليل والتفكير العميق، أما إذا كانت لديه قاعدة معرفية راسخة، فإن هذه المعلومات تُستدعى تلقائيًا وبسهولة من الذاكرة طويلة المدى دون أي عناء، فينخفض العبء المعرفي، ويتاح للعقل أن يفكّر بمرونة وعمق، ولهذا يؤكد سويلر عام 2011 في كتابه الشهير مع آيرز وكاليوغا (Sweller, Ayres الجزيرة Kalyuga) أن «الحفظ المنظم المتقن ليس عبئًا على التفكير، بل هو ما يحرّر التفكير» كما أن دراسات الخبرة البشرية تقدّم دليلًا عمليًا على هذه الحقيقة، ففي تسعينيات القرن الماضي (1993)، بيّن عالم النفس أندرس إريكسون (K. Anders Ericsson) أن الفارق الجوهري بين الخبير والمبتدئ لا يكمن في الذكاء العام، بل في حجم المعرفة المتخصصة المخزنة في الذاكرة طويلة المدى، ولا يختلف الأمر في الشطرنج أو الطب أو الهندسة أو البرمجة، فقد أظهرت دراسة كلاسيكية عام 1973 لكل من تشيس وسايمون (Chase الجزيرة Simon) أن لاعب الشطرنج الخبير لا يحلل كل حركة ابتداء من الصفر، بل هو يستخدم «أنماطا محفوظة» في ذاكرته وينطلق تفكيره وقراراته منها، والطبيب المتمرّس لا يفكّر في كل حالة طبية من جديد، بل يستدعي خبرات سابقة مخزنة ليقيس عليها، وبمعنى آخر: فإن التفكير التحليلي الحقيقي هو تفعيل ذكي لمعرفة محفوظة، ومن دون هذه المعرفة لا يبقى سوى محاولات سطحية متعثرة.

** **

- مدير عام تعليم سابقا

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...