Sunday, June 28, 2026

All the News That's Fit to Print

رمضان جريدي العنزي

حين تدهمني الذكريات، لا تعود بي إلى أماكن فحسب، بل تحملني إلى زمنٍ كاملٍ كان للحياة فيه إيقاعٌ آخر، وإلى الرياض التي عرفناها يوم كانت أكثر قربًا من الأرواح وأشد التصاقًا بالوجدان، فأجدني أهيم في دروب حي المطار القديم، وأجوب شوارع الناصرية وحدائقها، وأمر على حلة العنوز، وحلة الفصمان، وأستعيد البطحاء يوم كانت مولنا الكبير وسوقًا يختصر الدنيا بأسرها في مخيلة صبيٍ لم يكن يعرف من العالم إلا ما تمتد إليه خطاه، هناك كانت الأيام تمضي على سجيّتها، لا تستعجل الغد ولا تستنزف الحاضر، كانت الشمس تشرق على وجوهٍ تعرف بعضها بعضًا، وتغيب على قلوبٍ لم تُثقلها حسابات المصالح ولا أرهقتها سباقات الحياة، وكانت البيوت متواضعة الجدران، عظيمة المعاني، يفيض منها الدفء الإنساني كما يفيض الضوء من النوافذ في ليالي الشتاء الهادئة، وما الماضي عندي صفحاتٍ مطوية في دفتر العمر، بل هو كائنٌ حيّ يسكن الذاكرة، ينبض كلما مرّ طيفُ ذكرى أو هبّت نسمةٌ تحمل عبق تلك الأيام، فما أعجب شأن الذكريات؛ إذ تستطيع أن تختصر عشرات السنين في لحظة تأمل، وأن تفتح أبوابًا ظننت أن الزمن قد أوصدها إلى الأبد، أحنّ إلى زمنٍ كانت فيه الأشياء أقل عددًا، لكنها أكثر قيمة، وكانت الأمنيات أصغر حجمًا، لكنها أعظم أثرًا في النفوس، أحنّ إلى الأيام التي كانت الفرحة فيها تولد من لقاءٍ عابر، أو مجلسٍ بسيط، أو نزهةٍ قصيرة، لا تحتاج إلى كثيرٍ من التكلّف لتصنع السعادة، فقد كانت البركة يومئذٍ تسكن التفاصيل، وكانت القلوب أكثر قدرةً على الابتهاج بما تيسّر، وأقل انشغالًا بما تعسّر، وكلما تقدمت بي السنون ازددت يقينًا أن الإنسان لا يشتاق إلى المكان بقدر ما يشتاق إلى نفسه التي كانت فيه، فالحنين في حقيقته ليس شوقًا إلى الشوارع والبيوت والأسواق، بل شوقٌ إلى ذلك الإنسان الذي كنا عليه، إلى براءة النظرة، وخفة الروح، وصفاء السريرة، وإلى أولئك الذين كانوا يملؤون المشهد حضورًا ثم مضوا، وبقيت آثارهم معلقةً في زوايا الذاكرة كالعطر العالق في ثوبٍ قديم، لقد تغيرت الرياض كثيرًا، واتسعت حتى غدت حاضرةً عالميةً تبعث على الإعجاب والفخر، غير أن في القلب رقعةً صغيرة لا تزال تحتفظ بصورة الرياض الأولى، الرياض التي كانت أقل عمرانًا، لكنها أكثر ألفة، وأبسط مظهرًا، لكنها أغنى بالذكريات، فالأمكنة الحديثة تبهر الأبصار، أما الأمكنة القديمة فتسكن الأرواح، وبين الإبهار والسكنىمسافةٌ لا تدركها إلا القلوب التي عاشت الزمنين معًا، ولهذا أبقى في عناقٍ دائم مع الماضي، لا هروبًا من الحاضر ولا جحودًا لنعمه، وإنما وفاءً لأيامٍ صنعت شيئًا من ملامحنا، وأسهمت في تشكيل أرواحنا، وغرست في أعماقنا جذورًا لا تستطيع السنون اقتلاعها، فبعض الذكريات ليست أحداثًا نتذكرها، بل أوطانٌ نقيم فيها كلما ضاقت بنا المنافي، ومرافئ نرسو إليها كلما أرهقتنا أمواج العمر، رحم الله تلك الأيام بما حملته من بساطةٍ ونقاء، ورحم الوجوه التي كانت جزءًا من تفاصيلها ثم غيّبها الزمن، فما زالت أصواتها تتردد في الذاكرة، وما زالت صورها تلوح في الأفق البعيد كنجومٍ خافتة، كلما ظننا أنها غابت أضاءت من جديد، وهكذا يبقى الماضي الجميل؛ لا يغادرنا وإن غادرناه، ولا يفارقنا وإن حالت بيننا وبينه عقودٌ طويلة، لأنه لم يسكن الأماكن يومًا، بل سكن القلوب، وما سكن القلب عصيٌّ على النسيان.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...