Thursday, April 16, 2026

All the News That's Fit to Print

د.عبدالله بن موسى الطاير

آراء شكلت لاحقا نقاشات عميقة، واختلف حولها، وجميعها صادرة من الولايات المتحدة الأمريكية. فوكوياما بشّر في مقالته ثم كتابه «نهاية التاريخ»، الذي نشر في العقد الأخير من القرن العشرين بسيادة النموذج السياسي الليبرالي الذي أنهى الجدل والاجتهاد في بديل أفضل من الليبرالية السياسية للبشرية، لكن مواطنه هانتغتون عصف بذلك التفاؤل، بنشر مقالته، فكتابه «صراع الحضارات» مقدما الهويات الحضارية والثقافية والدينية على أنها محركات أخطر للصراعات بعد حقبة الحرب الباردة، لتكتب فيفيان سلامة في عام 2026م، بمقالة في ذا اتلانتك، شهادة وفاة الدبلوماسية. بتلك المقالة المرعبة، لم يعد السؤال هل انتهى التاريخ كما ظنّ فوكوياما؟ ولا هل دخل العالم في صراع حضارات كما تنبأ هانتغتون؟ السؤال الأشد إلحاحا هو: ماذا يبقى من العالم حين تموت الدبلوماسية؟

فوكوياما قرأ لحظة ما بعد الحرب الباردة بوصفها نصرا مؤزرا للنموذج الليبرالي، وكأن البشرية وجدت أخيرا ضالتها في الصيغة السياسية الأقدر على الاستمرار لتمثل ذروة الاجتهاد في بلوغ الحكم الرشيد. ثم جاء هانتغتون ليدفع بأن الهويات الحضارية والثقافية والدينية لم تمت أو تتراجع أمام الزحف الليبرالي، بل ستعود لتكون المحرك الأعمق للصراعات. بين هذين التصورين، تأرجح العالم بين وهم الوحدة التي تقضي بها الليبرالية على جميع المنافسين لها ليعيش الكون سلاما مستداما في رعايتها، وقلق القطيعة التي يبعثها صراع الحضارات. ولأن العالم ما كان له أن يبقى لأكثر من ثلاثة عقود بدون طرح ثالث يعيد صياغة المستقبل على نحو أكثر سوداوية يتمثل في تراجع السياسة نفسها بوصفها فنّ إدارة المصالح والخلافات والتباينات، ونهاية الدبلوماسية بوصفها أداة السياسية الأرقى.

أمريكا التي لا تتوقف مفاجآتها، تقدم للعالم واحدة من أشد المفاجآت تدميرا، وهي موت الدبلوماسية، فحين تُهمش المؤسسات، كوزارة الخارجية، ويستبدل القرار الشخصي الخبرة التراكمية، والعلاقات الخلفية القنوات الرسمية، لا تكون النتيجة مجرد خلل إداري، بسبب غياب الخبرة السياسية، وإنما التأسيس لعالم أكثر اندفاعا، وأقل روية، وأشد قابلية للانفجار. نهج «نهاية الدبلوماسية» يعني أن القرار لم يعد يتخذ عبر المؤسسة، وإنما عن طريق المزاج، وبذلك تُفقد الثقة بالقواعد والانساق القابلة للتنبؤ، وتنصرف أنظار واهتمامات الحلفاء والأصدقاء لمراقبة نزوات اللحظة الانفعالية.

الدبلوماسية ليست مكملا بروتوكوليا، وإنما هي القوة التي تمنع الغضب من أن يتحول إلى حرب، وسوء الفهم من أن ينقلب إلى قطيعة، والاختلاف من أن يتبدل إلى مصير دموي قاتل؛ حين تضعف الدبلوماسية لا يمكن أن يحل السلام بغطرسة الارتجال، فالفراغ الذي يخلفه تهميش الدبلوماسية يغذي الأفكار المتطرفة ويمكنها من استعادة نفوذها. وهنا يصبح هانتغتون أكثر قابلية للاستعمال السياسي منه للفهم الأكاديمي؛ فالحضارات تتحول من توصيف ثقافي إلى معسكرات حشد وتعبئة، وتصبح الهوية سلاحا جاهزا للتصويب، ويزيد ذلك السلاح مضاء دخول عقائد أخروية إلى الميدان السياسي، كما في الصهيونية المسيحية التي ترى الشرق الأوسط لا باعتباره قضية مصالح وحقوق واحتلال وتسوية، بل باعتباره مسرحا لنبوءة لاهوتية كبرى. وهنا تنحرف الدبلوماسية من كونها مجرد إدارة للمصالح إلى تنفيذ التأويلات الدينية التي توجه الأحداث لخدمة نهاية متخيلة. إنه ببساطة عناق أهبل بين «صراع الحضارات» و»نهاية العالم»؛ الأول يمنح الصراع لغة الهوية، والثاني يمنحه قداسة النبوءة، وبينهما تضيع الدبلوماسية، لأنها مؤسسة على فرضية أن البشر قادرون على التفاوض، لا على انتظار المعركة الأخيرة.

بعد نحو أربعة عقود يمكن القول إن نظرية «نهاية التاريخ» قد سقطت إلى حد كبير لأنها بالغت في الثقة بأن الإنسان يكتفي بالمؤسسات والانتخابات والأسواق، فالتاريخ والواقع يؤكدان أن الإنسان يريد إلى جانب ذلك اعترافا ومعنى وانتماء، وحين تعجز الأنظمة السياسية عن تلبية هذه الحاجات، تعود المجتمعات والجماعات إلى الاحتماء بالسرديات الكبرى كالحضارة المهددة، والأمة المختارة، والوعد المنتظر، والعودة الثانية. عالمنا اليوم لا يعيش رفاهية نهاية التاريخ، ولا يتقلب في صراع الحضارات، بل يعيش أزمة تحييد الدبلوماسية عن منع الصراع ليتحول بالتالي إلى مصير محتوم.

حين تموت الدبلوماسية، لا تتراجع اللغة المهذبة بين الدول، والابتسامات المتبادلة أمام الكاميرات فحسب، بل تأخذ في معية أفولها إمكانية التراجع والتصحيح، والنجاة من القرارات التي تتخذ تحت تأثير العقيدة أو الغضب أو الاستعراض. بموت الدبلوماسية أو نهايتها يصبح العالم محكوما بالهويات الجريحة، والخيالات اللاهوتية، والزعامة الفردية. ولهذا فإن أخطر ما في عالمنا اليوم هو تآكل الدبلوماسية، في عالم يفقد بالتدريج آخر أدواته العاقلة، وحين تفقد السياسة عقلها، لا يبقى للتاريخ نهاية، بل بدايات متجددة للصراع والفوضى.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...