Thursday, April 16, 2026

All the News That's Fit to Print

حسن اليمني

في خضم التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية، يبرز سؤال جوهري يتجاوز السياسة إلى عمق الفلسفة:

هل يمكن لاختلاف الرؤى الحضارية أن يعيد تشكيل طبيعة النظام العالمي؟ وبعبارة أدق، هل يحمل صعود الصين ملامح نظام أكثر توازنًا مقارنة بالنموذج الغربي السائد؟

للإجابة عن هذا التساؤل، لا يكفي تتبع المؤشرات الاقتصادية أو العسكرية، بل يتطلب الأمر فهمًا أعمق للأسس الفكرية التي تشكّل نظرة كل من الصين والغرب إلى الإنسان والوجود. ففي حين تميل تيارات مؤثرة في الفكر الغربي الحديث إلى التعامل مع الوجود بوصفه مجالًا للفهم والسيطرة بهدف تعظيم المنفعة الإنسانية، تقوم الفلسفة الصينية التقليدية – ولا سيما الكونفوشيوسية – على تصور مختلف، يرى الوجود نسقًا متوازنًا ينبغي الانسجام معه لا إخضاعه. هذا التباين في المنطلقات لا يبقى حبيس التأمل الفلسفي، بل يمتد ليؤثر في أنماط السلوك الاجتماعي والسياسي.

ترتكز الكونفوشيوسية على منظومة أخلاقية تعلي من شأن الانسجام الاجتماعي والتوازن، حيث تُبنى العلاقات الإنسانية على مبادئ مثل التآلف، واحترام التسلسل الاجتماعي، والارتقاء الأخلاقي عبر التربية والتعليم، إضافة إلى التأكيد على دور الحاكم بوصفه قدوة أخلاقية تنعكس استقامتها على المجتمع. وهي مبادئ تلتقي، في جوانب متعددة، مع القيم الأخلاقية في التصور الإسلامي والعربي التقليدي، خاصة فيما يتعلق بمركزية الأخلاق وأهمية التوازن في العلاقات الإنسانية.

وعلى مستوى العلاقات الدولية، تميل الخطابات الصينية إلى التأكيد على مفاهيم التعاون والمنفعة المتبادلة واحترام خصوصيات الدول, ويمكن فهم هذا التوجه – جزئيًا – في ضوء الخلفية الفلسفية التي تعلي من شأن التوازن، وإن ظل هذا الطرح محل نقاش عند اختباره في واقع التنافس الدولي وتعقيداته.

في المقابل، شهد الغرب منذ عصر التنوير تطورًا فكريًا عزز من مركزية الإنسان بوصفه فاعلًا يسعى إلى فهم الطبيعة وتسخيرها, وقد أسهم هذا التوجه في تحقيق قفزات علمية وتقنية هائلة، لكنه ترافق في بعض السياقات مع نزعات فردية ومادية انعكست على بنية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.

فقد أعادت مفاهيم مثل الاستقلالية الفردية تشكيل الروابط الأسرية، بينما أصبح التنافس على الموارد والنفوذ سمة بارزة في العلاقات الدولية، حيث تلعب القوة دورًا محوريًا في تحديد موازين المصالح , ومع ذلك، لا يمكن اختزال الغرب في هذا الإطار وحده، إذ يضم تيارات نقدية تدعو إلى العدالة الاجتماعية والتوازن البيئي، ما يعكس تعددية فكرية لا يمكن إغفالها.

من هنا، تبدو المقارنة بين النموذجين الصيني والغربي مدخلًا لفهم أعمق للعلاقة بين الفلسفة والممارسة، دون أن تفضي بالضرورة إلى حكم قاطع بتفوق أحدهما. فلكل نموذج نقاط قوة وحدود، كما أن سلوك الدول في الواقع تحكمه اعتبارات القوة والمصلحة بقدر ما يتأثر بالمرجعيات الفكرية. أما بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، فإن بعض أوجه التقاطع القيمي مع النموذج الصيني قد تبدو لافتة، غير أن خيارات الدول لا تُبنى على القيم وحدها، بل تتداخل فيها عوامل القوة المادية، والقدرة المؤسسية، والتجارب التاريخية.

وعليه، فإن السؤال عن إمكانية أن يكون العالم أكثر عدلًا أو استقرارًا في ظل تحول مركز الثقل من الغرب إلى الشرق يظل سؤالًا مفتوحًا, فالتحديات المرتبطة بالقوة والمصالح لا تختفي بتغير الفاعلين، بل تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.

لعل الرهان الحقيقي لا يكمن في استبدال نموذج بآخر، بقدر ما يكمن في بناء قدرة ذاتية واعية، تمكّن المجتمعات من تحقيق توازنها الخاص بين القيم والمصالح، وبين الأخلاق والقوة، في عالم لا يعترف إلا بمن يمتلك أدوات التأثير فيه.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...