Wednesday, April 22, 2026

All the News That's Fit to Print

د.عبدالله بن موسى الطاير

هي صدفة أن يكون ترتيب قناتي فوكس نيوز وسي إن إن خلف بعضهما على الشاشة، ولذلك فإنني لا أتنقّل بين قناتين، وإنما بين أمريكتين متباينتين شديد التباين في الأيديولوجيا والتعصب ونطاق التغطية والأجندة والضيوف. في حين تنشغل فوكس نيوز في أخبارها وبرامجها السياسية بمهاجمة الديموقراطيين، والترويج لأجندة الجمهوريين وبخاصة المحافظون منهم، تنشغل قناة سي إن إن بمحتوى مغاير يشيطن الجمهوريين ويصورهم على أنهم خطر محدق بالممارسة الديموقراطية. إنك تتنقّل بلمسة مفتاح بين عالمين مختلفين، وطرفين متصارعين بلغت حدة الاستقطاب عند كل طرف أوجها.

من الناحية المثالية، فإن الديمقراطية نظام حكم يفترض أنه من الشعب لخدمة الشعب، حيث السلطة منوطة بالمواطنين، الذين يمارسون تلك السلطة من خلال ممثلين منتخبين. المبادئ الأساسية للديمقراطية، مثل الانتخابات الحرة والنزيهة، وحماية الحقوق الفردية، وسيادة القانون، تهدف جميعها إلى ضمان أن الحكومة تعمل بما يحقق المصالح الفضلى للشعب. ومع ذلك، من الناحية العملية، فإن العلاقة بين الديمقراطية والأحزاب السياسية معقدة إلى درجة الانحراف بمسار الديموقراطية من خدمة المواطنين كافة إلى خدمة الحزب ورموزه فحسب.

وإذ تضطلع الأحزاب السياسية بدور حاسم في تنظيم وتعبئة المواطنين، وشرح البرامج السياسية، واختيار المرشحين للمناصب، باعتبارها ضرورية لعمل الديمقراطية، فإنها تشكل أيضًا تحديات حقيقية في وجه مقاصد نظام الحكم الديموقراطي؛ فالمصالح الحزبية تُعطى الأولوية على الصالح العام، مما يؤدي إلى الجمود وحدة الاستقطاب، كما أن سيطرة النخبة تجعل الأحزاب خاضعة لهيمنة المانحين الأثرياء أو أصحاب المصالح الخاصة، مما يقوّض مبدأ التمثيل المتساوي، ومن أبشع الممارسات في الفضاء الديموقراطي قمع المعارضة، إذ تستخدم الأحزاب سلطتها ليس لتهميش الأصوات المعارضة وإنما لتهشيمها، والحد من النقاش السياسي.

أعتقد أن النظام الليبرالي الديموقراطي الذي تم فرضه بعد الحرب العالمية الثانية يتعرض لاختبار صعب ومصيري مع بروز الأحزاب اليمينية بأجنداتها المنغلقة والدينية المتشددة، والعنصرية في أسوأ صورها، وهي بتمكنها تطوي صفحة مهمة في تاريخ الدول الليبرالية الديموقراطية وتعود بالفضاء السياسي إلى الحقب التي ازدهرت فيها الشوفينيات الوطنية، والاستعلاء العرقي والنازية ومعاداة الآخر المختلف.

نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي لم تكن مفاجئة، ولكنها تجاوزت الحد المتوقع بكثير، وهي ليست مستنبتة بالضرورة وإنما مستنسخة عن تجربة أمريكية حكمت بين 2016 إلى 2020م؛ فالأوربيون يعتبرون أن ما يحدث في قارتهم سببه الأفكار العابرة للمحيط، وأنها ستزداد سوءا بفترة ثانية قد يحصل عليها المرشح الجمهوري دونالد ترمب في انتخابات نوفمبر من هذا العام.

أخشى أن مصير العالم يتشكّل على نحو خاطئ وينتقل من السيئ إلى الأسوأ بسبب ضيق الأفق الغربي وعدم انفتاحه على تجارب حكم أخرى يمكن أن تكون بديلاً معقولاً أو حتى شريكاً في التنوّع المقبول لأنظمة الحكم في العالم. الحدية ما بين ديموقراطية وديكتاتورية، الأولى مقبولة والثانية منبوذة، سيعني الإمعان في تكرار التجارب الخاطئة والقاتلة.

ولأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فقد عقمت الدراسات عن تقديم البدائل بالطريقة الأكاديمية التي تتيحها للباحثين والمهتمين، هذا العقم لم يكن طبيعياً وإنما نتيجة بلطجة معرفية غربية حجبت الرأي الآخر وجندت الكتبة والمكتبات ودور البحث ومئات الملايين من العملة الصعبة للإبقاء على الديموقراطية نظاماً لا شريك له للحكم. لنتفق على أن الديموقراطية أنتجت أنظمة حكم رشيدة، فهل يمكن إلى جانب ذلك الاتفاق على أنها أيضاً أنتجت ممارسات سلبية انتقائية هي أشد فتكا من تلك التي تنتجها الدكتاتوريات، ربما هذا الاتفاق يجعل الباحثين يوجهون جهودهم إلى الحكم الرشيد باعتباره غاية تسعى إليها الديموقراطية، كما تسعى إليها أنظمة حكم أخرى ليست بالضرورة ديموقراطية حسب التعريف الغربي.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...