الإثنين, أيلول/سبتمبر 21, 2026

All the News That's Fit to Print

د.عبدالله بن موسى الطاير

كتبتُ قبل عقدين كتاباً بعنوان (أمريكا التي قد تعود)، أي إلى ما قبل عام 2001م، واليوم يخطر لي أن العنوان الأنسب ربما يكون (أمريكا التي لن تعود)، إلى ما كانت عليه قبل يناير 2024م. قد لا يكون الخلل في أمريكا بقدر ما يكون في الصورة الذهنية التي صنعناها من الخارج، غير أن ما يجري اليوم يثير فضول المراقب.

من يتابع أمريكا من خارجها يجد صعوبة متزايدة في الفصل بين قراراتها التنفيذية وبين ما اعتدنا رؤيته في أنظمة غير ديمقراطية. لا أقصد أن أمريكا تحولت إلى دولة سلطوية، ولا أن مؤسساتها فقدت قدرتها على الفعالية، لكني أجد صعوبة في فهم تراكم القرارات التنفيذية، والطريقة التي أعادت بها هذه القرارات تعريف حدود الرئاسة وعلاقتها بالكونغرس والإعلام والقضاء والمؤسسات العامة والمعارضة الحزبية، والحلفاء والأصدقاء في الجوار وحول العالم.

منع مؤسسات إعلامية كبرى من دخول البيت الأبيض، أو السعي إلى وضع اسم الرئيس على مركز كينيدي، أو إعادة تشكيل بعض الرموز والمقار الوطنية، وتوسع استخدام الأوامر التنفيذية، ومحاولات تجاوز اختصاصات الكونغرس في الإنفاق، والضغط على الجامعات، والتدخل في قواعد الانتخابات، وربط منفعة مالية مباشرة للناخبين ببقاء الجمهوريين مسيطرين على الكونغرس، تؤكد مجتمعة تغيراً في طبيعة النظام لا يمكن الانفكاك من تبعاته بمجرد انتخاب رئيس جديد عام 2028م إن حصل.

المسألة ليست ما إذا كان الرئيس يستطيع تنفيذ وعده بمنح 5000 دولار لكل مواطن أمريكي بلغ سن التصويت إذا تمكن الحزب الجمهوري مواصلة السيطرة على الكونجرس بمجلسيه، وإنما دخول الوعد نفسه مجال التنافس الانتخابي لصالح حزب أمريكي على آخر. حين يقول الرئيس للناخبين، بصورة مباشرة أو ضمنية، إن فوز حزبه سيقود إلى حصولهم على مبلغ نقدي من المال العام، فإنه يضيّق المسافة بين الدولة والحزب والرئيس، لتقترب أكثر من حزب البعث في سوريا أو في العراق. الانتخابات هنا لا تعود فقط مفاضلة بين برامج، بل تقترب من علاقة شخصية بين الناخب والزعيم والحزب باستخدام موارد الدولة، وهنا يظهر بوضوح تلاشي الفرق بين شغل منصب الرئاسة المؤقت والتصرف في مؤسسات الدولة باعتبارها امتداداً لشخص الرئيس.

ما قرأناه ودرسناه أن الدستور الأمريكي لم يُصمم على افتراض أن الرئيس سيكون متزناً أو مطواعاً للقيود، وإنما على فرضية أن المؤسسات ستدافع عن سلطاتها بغض النظر عن شخصية الرئيس. الكونغرس يقاوم الرئيس عندما يتجاوز حدوده، والولايات تدافع عن اختصاصاتها، والمحاكم تفرض القانون، والصحافة تراقب الجميع. فعالية هذه الآلية تعتمد على أن يرى عضو الكونغرس نفسه ممثلاً لسلطة دستورية انتخبه الشعب الأمريكي لها قبل أن يكون تابعاً للحزب الحاكم.

ما يجري حالياً أن النواب والشيوخ الجمهوريين باتوا يواجهون حسابات سياسية معقدة، فتكلفة معارضة الرئيس داخل الحزب قد تكون أعلى من تكلفة التنازل عن جزء من سلطة الكونغرس. ولذلك لم تتحول أمريكا إلى نظام شمولي، فالمحاكم تصدر أحكاماً ضد الرئيس، والولايات تملك سلطات، والإعلام المعارض يعمل، والانتخابات ما زالت تنافسية، لكن بقاء تلك المؤسسات لا يعني أن طريقة عملها لم تتغير. هناك تحول سلطوي برعاية مؤسساتية، فالقيود التشريعية على السلطة التنفيذية تراجعت، وحرية التعبير تضاءل هامشها، مع بقاء المكونات الانتخابية مستقرة.

الديمقراطيات الحديثة لا تنهار بانقلاب أو بإلغاء الدستور، فقد تظل الانتخابات والمحاكم والبرلمانات قائمة، بينما تتغير القواعد غير المكتوبة التي تمنحها معناها، فيصبح استخدام أقصى ما تسمح به السلطة التنفيذية أمراً طبيعياً، ويصبح الامتناع عن بعض الممارسات القديمة سذاجة سياسية، ثم يتعود المجتمع على ما كان يراه استثناء. وأنا هنا لا أبشر بسقوط أكبر ديموقراطية في العالم، وإنما أحلل من وجهة نظري ما يحدث، فأمريكا عودتنا أنها تخرج من أزماتها أقوى على عكس كثير من دول العالم.

من الضروري التذكير بأن قواعد الممارسة السياسية تمنح الحزب الفائز حق الحكم، لكنه لا يملك الدولة، فخصومه يظلون جزءاً أصيلاً في الجماعة الوطنية، ولهم حقوقهم المكفولة. ويبدأ الخطر عندما تُعرّف المواطنة انطلاقاً من القاعدة المؤيدة للرئيس، وتصبح المؤسسات التي تعارضه عقبات أمام الإرادة الشعبية، والإعلام الناقد غير وطني، وتتحول الولايات التي يسيطر عليها الديموقراطيون إلى مراكز معارضة أكثر منها وحدات دستورية شريكة.

من زاوية أمريكية، يسيطر الاعتقاد القديم المتسم بالإنكار من أن «هذا لا يمكن أن يحدث هنا في أمريكا»، ذلك أن بعض قوة النظام الأمريكي قام على أعراف لم تكتب في الدستور، فالرئيس مثلاً يعرف أن بعض السلطات لا ينبغي استخدامها إلى أقصاها، والكونغرس يدافع عن نفسه من منطلق السلطة الشريكة في الحكم لا من منطق الولاء الحزبي، والحزب يقبل شرعية خصمه، والمؤسسات العامة لا يعاد تشكيلها لتناسب السلطة التنفيذية. وحين تبدأ هذه الأعراف في التآكل لا يتغير نص الدستور، لكن النظام الذي يعمل تحته قد يتغير تدريجياً.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...