أمريكا 250.. وجدلية التفرد بالقمة - جانبي فروقة
جانبي فروقة
قبل مئتين وخمسين عاماً لم تكن الولايات المتحدة سوى تجربة سياسية جريئة على أطراف العالم تكونت من ثلاث عشرة مستعمرة صغيرة أعلنت استقلالها عام 1776 في زمن كانت الإمبراطوريات الأوروبية ترى أن الجمهوريات لا تعيش طويلاً و لم يكن أحد يتوقع أن تتحول تلك الجمهورية الوليدة إلى الدولة التي ستعيد رسم الاقتصاد والسياسة العالمية وتقود الثورة الصناعية الثانية وتهبط على سطح القمر وتبتكر الإنترنت وتقود اليوم سباق الذكاء الاصطناعي.
واليوم بينما تحتفل أمريكا بعيدها الـ250 يبدو السؤال مختلفاً تماماً حيث لم يعد السؤال: كيف أصبحت أمريكا القوة الأولى؟
بل: هل تستطيع أن تبقى كذلك في عالم لم يعد يقبل وجود قوة واحدة تحتكر القمة؟ وربما لخّص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا التناقض أكثر من أي شخص آخر ففي خطاب تنصيبه الأول عام 2017 تحدث عن «المجزرة الأمريكية» وكأن بلاده تعيش حالة انهيار وبعد ثماني سنوات فقط وقف في خطاب تنصيبه الثاني معلناً أن «أمريكا ستستعيد مكانتها بوصفها الأمة الأعظم والأكثر احتراماً على وجه الأرض» بلد واحد، ورئيس واحد لكن روايتين متناقضتين تماماً.
والحقيقة كما ترويها الأرقام تقع في مكان آخر فأمريكا ليست أضعف مما كانت عليه بل ربما هي أقوى من أي وقت مضى لكن هيمنتها أصبحت أقل مما كانت عليه وهناك فرق كبير بين القوة والهيمنة وهذه هي الفكرة التي ربما تفسر كل شيء فعندما بدأت البيانات الاقتصادية العالمية تُجمع عام 1820 كان عدد سكان الولايات المتحدة لا يتجاوز عشرة ملايين نسمة واقتصادها لا يعادل سوى عُشر اقتصاد الإمبراطورية البريطانية آنذاك..
أما الصين في عهد أسرة تشينغ فكانت لا تزال صاحبة أكبر اقتصاد في العالم لكن أمريكا امتلكت ما وصفه المؤرخ الفرنسي ألكسيس دو توكفيل بأنه «القدرة الدائمة على إعادة اختراع نفسها» امتلكت الأرض والموارد والهجرة (العقول) وروح المبادرة والأهم من ذلك المؤسسات التي سمحت للأفكار بأن تتحول إلى ثروة لم يكن النفط وحده هو الذي صنع أمريكا ولا الذهب ولا الحديد بل الذي صنعها هو قدرتها على تحويل كل اكتشاف علمي تقريباً إلى صناعة وكل صناعة إلى شركة وكل شركة إلى سوق عالمية ولهذا لم يكن غريباً أن تصبح موطن الترانزستور والرقاقة الإلكترونية والحاسوب الشخصي والإنترنت ثم الذكاء الاصطناعي التوليدي، جاءت الحرب العالمية الثانية لتمنح أمريكا فرصة لم يحصل عليها أي بلد آخر، فبينما كانت أوروبا واليابان تزيلان الأنقاض خرجت الولايات المتحدة تقريباً بلا دمار داخل حدودها وفجأة أصبحت دولة تضم نحو 6% فقط من سكان العالم، و لكن تنتج ما يقارب من ثلث الاقتصاد العالمي وتلك لم تكن مجرد لحظة تفوق بل كانت لحظة ولادة «القرن الأمريكي» لكن المشكلة أن كثيراً من الأمريكيين ما زالوا يقارنون حاضرهم بتلك اللحظة الاستثنائية لا بالعالم الواقعي.
ورغم أنه اليوم لا يزال الاقتصاد الأمريكي الأكبر في العالم إذ يبلغ الناتج المحلي نحو 32.4 تريليون دولار، أي أكبر بنحو 50% + من الاقتصاد الصيني وفق أسعار الصرف الجارية (رغم أن الصين تتجاوزه إذا احتُسب الناتج وفق تعادل القوة الشرائية) ولا تزال الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي ويظل الدولار العملة المهيمنة على التجارة الدولية و يشكل أكثر من 57% من احتياطات النقد في العالم كما تواصل الشركات الأمريكية قيادة الثورة الرقمية وخلال الأربعين عاماً الماضية خرجت خمس من أكبر عشر شركات في العالم من الولايات المتحدة أربع منها شارك مهاجرون في تأسيسها وهذه ليست مؤشرات دولة تتراجع بل إنها مؤشرات دولة لا تزال في القمة لكنها لم تعد وحدها هناك ووهنا تظهر المفارقة التي تستحق التأمل فهل أمريكا هي ضحية نجاحها ويمكن أن يكون نجاح أمريكا هو السبب في تراجع هيمنتها؟
بعد عام 1945 لم تكتف واشنطن بإعادة بناء أوروبا واليابان (بتبنيها خطة مارشال العبقرية) بل أنشأت نظاماً اقتصادياً عالمياً مفتوحاً ودعمت التجارة الحرة ومولت المؤسسات الدولية وفتحت أسواقها أمام العالم والنتيجة أن الاقتصاد العالمي نما منذ ذلك الحين نحو تسعة عشر ضعفاً وارتفع متوسط دخل الإنسان أكثر من خمسة أضعاف لكن الدول التي ساعدتها أمريكا على النهوض أصبحت لاحقاً من أشد منافسيها والصين مثال صارخ فمنذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 تحولت إلى أكبر مصنع في العالم وأصبحت اليوم تنتج أكثر من ضعف الإنتاج الصناعي الأمريكي بينما تراجعت حصة الولايات المتحدة من الصناعة العالمية من نحو نصف الإنتاج بعد الحرب العالمية الثانية إلى قرابة 15% وهذه ليست قصة سقوط بل إنها قصة نجاح تتلخص في خلق منافسين جدد، وكما قال المؤرخ البريطاني بول كينيدي:
«القوى العظمى لا تنهار عادة لأنها تصبح ضعيفة بل لأن الآخرين يصبحون أقوى» والصورة العسكرية لا تختلف كثيراً فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك إحدى عشرة حاملة طائرات بينما تمتلك الصين ثلاثاً فقط ولم تدخل أي منها حرباً حقيقية كما أن إنفاقها الدفاعي يبقى الأعلى في العالم مع مقترح ميزانية يبلغ 1.5 تريليون دولار لعام 2027 لكن القرن الحادي والعشرين فرض حقيقة مختلفة و هي أن امتلاك أقوى جيش في العالم لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية فالحروب في العراق وأفغانستان والتوترات في مضيق هرمز وصعود الصين في بحر الصين الجنوبي كلها أظهرت أن التكنولوجيا العسكرية وحدها لا تستطيع فرض النظام العالمي كما فعلت بعد عام 1945 أما المعركة الأكثر أهمية اليوم فربما لا تدور في البحار ولا في السماء بل داخل المختبرات فالولايات المتحدة لا تزال تضم 35 جامعة من أفضل مئة جامعة في العالم لكنها فقدت جزءاً من تفوقها البحثي وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة في الإنفاق على البحث والتطوير بينما نشر الباحثون الصينيون عام 2025 من الأبحاث العلمية المحكمة ما يعادل ما نشره الأمريكيون والبريطانيون والألمان واليابانيون مجتمعين.
وفي المقابل جُمّدت آلاف المنح البحثية وغادر آلاف العلماء المؤسسات الفيدرالية خلال العام الأول من الولاية الثانية لترامب والمفارقة الأشد إيلاماً أن الدولة التي بنت قوتها على جذب أفضل العقول أصبحت أكثر تشدداً تجاه الهجرة رغم أن كثيراً من أعظم شركاتها أسسها مهاجرون، أجرت The Economist وYouGov استطلاعا واسعا بمناسبة الذكرى الـ250 كشف أن أقل من نصف الأمريكيين يشعرون بفخر كبير ببلادهم، وأن نحو 60% يعتقدون أنها ابتعدت عن المبادئ التي قامت عليها، ويرى ثلثا الأمريكيين أن أفضل أيام بلادهم أصبحت وراءها، ومع ذلك فإن الشباب هم الأكثر تفاؤلاً إذ يعتقد كثير منهم أن الولايات المتحدة ستزداد قوة خلال العقود المقبلة حتى وإن لم يكن سوى 17% واثقين بأنها ستحتفل بعيدها الخمسمئة.
ربما كان هنري كيسنجر محقاً عندما قال إن «أخطر ما يواجه القوى العظمى ليس أعداؤها بل عجزها عن التكيف مع عالم يتغير» و التحدي الحقيقي لأمريكا في عامها الـ250 هو كيف تتعلم أن تقود عالما لم تعد تقوده وحدها فالولايات المتحدة لم تفقد مكانتها بعد لكنها فقدت احتكارها للقمة وربما يكون هذا هو التحول الأكبر في النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ففي الماضي كانت القوة تعني أن تتفوق على الجميع أما اليوم فالقوة أصبحت تعني أن تبقى الأكثر تأثيراً حتى عندما يصبح العالم مليئاً بالأقوياء.
لقد احتاجت أمريكا إلى قرنين ونصف لتصل إلى القمة، لكنها تحتاج اليوم إلى حكمة مختلفة كي تبقى عليها لأن أصعب من الوصول إلى القمة هو أن تتعلم كيف تشاركها دون أن تفقد دورك في قيادة العالم.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 769
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 877
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 752
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 734
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 739
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 954
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...