الأربعاء, نيسان/أبريل 22, 2026

All the News That's Fit to Print

م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي

1. «السرد» (NARRATIVE) مصطلح حديث يقصد به طريقة رواية أو تقديم الوقائع وتسلسل الأحداث، بحيث تؤدي إلى نتيجة مطلوب تحقيقها، حتى لو استدعى الأمر إعادة بناء سياقات الأحداث وتفسيرها وربط عناصرها لتتفق سياسياً واجتماعياً وتاريخياً مع الرواية المطلوب انتشارها كرواية تاريخية.

2. «السردية» هي الإطار الفكري الذي صيغت به الرواية وحولها من مجرد قصة بحبكة، وأبطال، ومكان، وزمان، ونتيجة، وجعلها ذات معنى له غاية وأهداف وطموحات وتطلعات، تفسر الأحداث وتوجه الرأي، وتؤثر على المتلقي وتدفعه نحو اتخاذ مواقف ذات اتجاهات تصنع القرار، وفق رؤية واحدة متماسكة.. أي أن السرد هو طريقة نقل القصة، بينما السردية هي تفسير القصة أو الفكرة وصياغتها بشكل يؤدي إلى معنى مقصود.

3. «السردية الوطنية» هي الرواية الكبرى المكونة من مجموعة القصص للوقائع والأفكار والأحداث والأشخاص والمواقع والمدن التي تروي تاريخ الوطن، وتُظهر هويته وتُبرز قيمه، وتسهم في تشكيل وعي مواطنيه ورفع مستوى انتمائهم، وتوجيه المجتمع حول هوية مشتركة، وتدعم الاستقرار والتماسك الاجتماعي، وتخلق شعوراً بالفخر والانتماء الوطني، وتوجه رسالة إلى المجتمعات الأخرى، وتبني الصورة المنشودة عن الوطن والمواطنين.

4. مثلاً السردية الوطنية اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية واستسلامها التام لأمريكا لم تكن سردية انهزام أو رفض ومكابرة، بل سردية قامت على مرتكزات أهمها: رفض الحرب، الاعتراف بأخطاء الماضي، والتركيز على الاقتصاد والتقنية، وإبراز خصائص المجتمع الياباني وأهمها «المثابرة والانضباط».. واعتمدت السردية على مفردتين هما «النجاة، والنهوض».. فقد نجت اليابان من الإبادة النووية التي طالت مدينتي «هيروشيما ونجازاكي»، وها هما تنهضان من تحت الرماد النووي.. ونجا مجتمعهما من التوحش الذي عرف به جيشهم في غزواتهم ضد ضحاياهم، فهم اليوم مجتمع مسالم ومتعلم ومتمدن، حقق معجزة اقتصادية بعد مرور أقل من ثلاثين سنة، وانتقل من الدمار إلى النجاة ثم إلى النهوض.

5. أما السردية الوطنية الألمانية بعد الحرب الثانية واستسلامها لقوات الحلفاء، وتقسيمها إلى شرقية وغربية وتحميلها كامل تكاليف الحرب لم تكن سردية مقاومة أو إنكار، بل سردية قامت على مرتكزات أهمها: الاعتراف بالأخطاء، وتحمّل المسؤولية، وبناء وعي أخلاقي يمنع تكرار تلك الأخطاء، وتؤدي إلى بناء ديموقراطية لتكون قوة اقتصادية مؤثرة.

6. ولو نظرنا إلى السردية الإسرائيلية بعد الحرب العالمية الثانية، لوجدنا أنها قامت على ركيزتي: اليهود ضحية الاضطهاد والإبادة الظالمة، وأن العالم مسؤول عن رفع الظلم عنهم، وحمايتهم، ومساعدتهم في إقامة دولتهم. وقد نشطوا في أحياء لغتهم الميتة، وترسيخ ممارساتهم لطقوسهم الدينية البائدة، وتوحيد مجتمعهم الذي عاش طوال ثلاثة آلاف سنة في الشتات.

7. تلك كانت السرديات الوطنية لمجتمعات هُزمت وكُسرت، بل وسُحقت، فانظر إليهم اليوم كيف وأين هم.. في المقابل، انظر إلى السردية التاريخية للمسلمين، التي كُتبت ثلاث مرات: مرة كتبها السُنة، ومرة كتبها الشيعة، ومرة كتبها الشعوبيون، وكل الفئات الثلاث تبغض الأخرى، فأبطال هؤلاء هم مجرمو أولئك.. ثم انظر إلى السرديات العربية بعد الحرب العالمية الثانية، فسوف تجدها تتأرجح بين الشكوى من تآمر العالم عليها، والتظلم من خيانات الآخرين لها، والدعوة إلى بعث الثارات القديمة، وترتكز في سردياتها الوطنية على الثناء المغدق على الذات، والذم المفرط للشقيق العربي المجاور!

8. أخيراً ماذا عن سرديتنا الوطنية السعودية؟

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...