السعودية و(أوبك).. قيادة فعلية تعكس دورًا تاريخيًا عالميًا! - محمد بن عيسى الكنعان
محمد بن عيسى الكنعان
منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ليست إرثًا سعوديًا بامتياز، ولا قيادة لمنظمة دولية باقتدار فحسب، فهذا من نافلة القول، ويعرفه من يعرف تاريخ النفط في الشرق الأوسط، كما أن السعودية هي من أضافت للمنظمة بُعدًا دوليًا، وتأثيرًا اقتصاديًا، وتماسكًا عضويًا. إنما المسألة أعمق في المعنى وأعظم في المبنى، فالعالم لا يعرف (أوبك) إلا بالسعودية، ولا يذكر من تاريخ هذه المنظمة العريقة إلا أنها فكرة عبقرية جاء بها السعوديون في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- عندما كان عبد الله الطريقي وزير الطاقة السعودي -آنذاك- بالاتفاق مع خوان بابلو بيريز ألفونسو وزير النفط الفنزويلي، الذي نسَّق بين الدول المنتجة للنفط، الراغبة في تحقيق سيطرتها الكاملة على مواردها الطبيعية من الشركات الغربية التي كانت تُعرف بـ (الأخوات السبع)، فتأسست منظمة (أوبك) خلال انعقاد مؤتمر بغداد وتحديدًا في 14 سبتمبر 1960م، والدول المؤسسة كانت: (المملكة العربية السعودية، وفنزويلا، والعراق، والكويت، وإيران)؛ لهدف توحيد سياسات الدول الأعضاء، والحفاظ على استقرار أسواق النفط العالمية. بعدها تتابعت دول أخرى بالانضمام إلى المنظمة حتى أصبحت 16 عضوًا (دولة)، ولكن خلال مدة 66 عامًا هي عمر المنظمة انسحبت بعض الدول ثم عادت، غير أن السنوات العشر الأخيرة شهدت خروج خمس دول من المنظمة، هي: (إندونيسيا 2016م، وقطر 2019م، والإكوادور 2020م، وأنغولا 2024م، وحديثًا الإمارات العربية المتحدة في إبريل لهذا العام 2026م). هذه الانسحابات لم تؤثِّر بشكل فعلي في قوة المنظمة، ونظامها، وتماسكها، وخصوصاً أنها منظمة عريقة تاريخيًا، ومتمرسة عمليًا، ونجحت في تجاوز كل التحديات التي اعترضت مسيرتها.
قبل تأسيس (أوبك) كانت هناك سبع شركات غربية (أمريكية وبريطانية) تُسيطر على السوق النفطية العالمية، عُرفت بـ(الأخوات السبع)، وهو وصف أطلقه اقتصادي إيطالي يُدعى إنريكو ماتي خلال عقد الخمسينيات الميلادية من القرن الماضي، حيث يُعبِّر الوصف عن تحالف شركات نفط أمريكية وبريطانية عابرة للحدود، وتهيمن على كل مراحل الطاقة بدايةً من الإنتاج والتكرير حتى التوزيع. وهي: (ستاندرد أويل كاليفورنيا - ستاندرد أويل نيويورك - ستاندرد أويل نيوجرسي - تيكساكو - إنجلو بريزن أويل - قلف أويل - رويال دتش شل)؛ لاحقًا حدثت اندماجات وتغيُّرات بين عدد من هذه الشركات فظهرت شركات عملاقة، هي: (شيفرون، وشل، وإكسون موبيل، وبريتش بتروليوم). من هنا كانت الضرورة الفعلية إقليميًا ودوليًا لوجود منظمة (أوبك) التي لم تكن مسيرتها محفوفة بالورود على الطرق السهلة، بل حافلة بالتحديات وزاخرة بالملفات الصعاب، لكنها صمدت في كل معارك النفط في المشهد العالمي، وواصلت مسيرتها بفضل الله ثم الدور السعودي المحوري، الذي تجلَّت فاعليته في قيادة المنظمة، وبان تأثيره الدولي عبر كل المراحل الزمنية لمسيرتها بدءًا من مقرها في بغداد، ثم في جنيف حتى استقرت في العاصمة النمساوية (فيينا) من 1965م وإلى يومنا هذا.
بعد إعلان تأسيس (أوبك) مطلع الستينيات الميلادية كان الهمّ الرئيس للمنظمة هو العمل على منع شركات النفط العالمية من السيطرة على الأسعار من خلال خفضها من جانب واحد بحيث يكون للمنظمة دور في ذلك. غير أن عقد السبعينيات الميلادية شهد تأكيد فاعلية (أوبك) عندما نجحت الدول العربية الأعضاء في المنظمة -بقيادة المملكة- في حظر النفط على الدول الداعمة لإسرائيل عام 1973م، ما أدى إلى حدوث قفزة هائلة في أسعار النفط، مع تغيير موازين القوى العالمية بالسوق النفطية، وتأكيد دور المنظمة الفعلي؛ عزَّز ذلك قيام دول أعضاء في (أوبك) بتأميم كامل لحصص شركات النفط الأجنبية العاملة فيها. ثم جاء عقد الثمانينيات الميلادية الذي وضع المنظمة أمام تحد جديد بعد تراجع الطلب على النفط؛ بسبب ظهور منتجين جدد في السوق النفطية مثل (بحر الشمال)، كما أن (أوبك) طبّقت لأول مرة نظام حصص الإنتاج عام 1982م للمحافظة على استقرار الأسعار. لم تنتهِ التحديات لكن المنظمة بقيادة المملكة أثبتت قوتها وجدارتها في تجاوزها، عندما نجحت -وبعض الأعضاء مطلع التسعينيات الميلادية- في تعويض نقص النفط والسيطرة على الأسعار؛ بسبب غزو العراق للكويت عام 1990م، ومع مطلع الألفية زاد الطلب العالمي على النفط فارتفعت الأسعار بشكل كبير حتى وصل تخطى الـ140 دولاراً قبل أن يتراجع بسبب الأزمة المالية العالمية عام 2008م. إلا أن النقلة الفعلية في قوة (أوبك) كانت عام 2016م عندما تحالفت المنظمة مع منتجين كبار مثل روسيا، وكونوا ما عُرف بـ(أوبك بلس)، وذلك لمعالجة تداعيات ظهور النفط الصخري الأمريكي، وضمان توازن السوق، ومنع انهيار الأسعار. تحالف (أوبك بلس) الذي ظهرت فيه قوة المملكة وقيادتها لـ(أوبك) يُشكِّل اليوم صمام أمان للطاقة في العالم.
بعد كل هذا يأتي السؤال: من أين استمدت المملكة قوتها، وأخذت مكانتها حتى صارت قائدة منظمة (أوبك)؟ الإجابة لم تعد خافية، ولكن تحتاج إلى إعادة تذكير؛ ببساطة المملكة تتمتع بعدة خصائص تجعلها دائمًا الرقم الصعب في سوق النفط، أولى هذه الخصائص أن المملكة لديها موثوقية عالية بين دول العالم، فهي لا تتعامل مع النفط كأداة سياسة، أو مادة لابتزاز العالم اقتصاديًا، بل تتعامل معه كمورد أو مصدر إستراتيجي يتطلب استقرارًا لصالح المنتجين والمستهلكين على حدٍ سواء، وذلك بالوصول إلى سعر عادل يحقق الفائدة للجميع، وهذا يُفسِّر قدرة المملكة داخل (أوبك) على تحقيق التوازن وبناء التوافق بين الدول التي تريد أسعارًا مرتفعة في مقابل أخرى تخشى فقدان حصتها السوقية. هذه المكانة المحورية داخل المنظمة والسمعة العالمية الإيجابية خارجها، تستند إلى رؤية حكيمة للقيادة السعودية، والقدرة الإنتاجية العالية للمملكة، ومرونتها السريعة في التحول من سد النقص إلى خفض الإنتاج أو العكس، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك طاقة إنتاجية فائضة كبيرة، فعند حدوث أي نقص في الإمدادات العالمية لأي سبب فالمملكة تملك القدرة على ضخ ملايين البراميل النفطية لاستقرار السوق تصل إلى (12 مليون برميل يوميًا). وفي المقابل تستطيع خفض الإنتاج بشكل مؤثِّر لرفع الأسعار عند غرق السوق بالنفط. هذه القدرة الإنتاجية مدعومة بتكلفة قليلة لاستخراج النفط (التكلفة التشغيلية) بسبب طبيعة حقولها، وعراقة شركة (أرامكو السعودية) وخبرتها المتراكمة في هذا المجال. كل ذلك مكَّن المملكة من قيادة الجهود لتشكيل تحالف مع منتجين كبار من خارج المنظمة كروسيا بما عُرف بـ(أوبك بلس) للسيطرة على السوق النفطية؛ بسبب تأثير النفط الصخري الأمريكي. لذلك أختم بالتأكيد على مقولة تُوجز وضع (أوبك)؛ وهي أن السعودية تقود هذه المنظمة لأنها تملك أكبر احتياطي قابل للتصدير بسرعة أكبر، بإنتاج أقل تكلفة، ولديها أكثر عقلية واعية توازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 686
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 795
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 663
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 657
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 654
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 860
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...