الإثنين, حزيران/يونيو 01, 2026

All the News That's Fit to Print

جانبي فروقة

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، لم يعد التصنيع مجرد نشاط اقتصادي، بل تحوّل إلى أداة سيادة وطنية وسلاح استراتيجي في معركة النفوذ العالمي، وهذا ما تحاول دراسة حديثة صادرة عن معهد ماكنزي العالمي بعنوان «Ramping up Manufacturing in America?» أن تشرحه بوضوح بمعنى هل تستطيع الولايات المتحدة إعادة بناء قاعدتها الصناعية لمواجهة الصين؟ لا يتحدث التقرير عن مجرد مصانع جديدة، بل عن إعادة صياغة مفهوم القوة الأمريكية نفسها فبعد عقود من العولمة التي دفعت الشركات الأمريكية إلى نقل الإنتاج نحو آسيا بحثًا عن العمالة الأرخص والتكاليف الأقل تجد واشنطن نفسها اليوم أمام معضلة استراتيجية ماذا يحدث إذا أصبحت سلاسل التوريد العالمية رهينة للتوترات السياسية أو للحروب التجارية أو حتى للأزمات الصحية كما حدث خلال جائحة كورونا؟

وفق التقرير، تستورد الولايات المتحدة اليوم ما يقارب 3 تريليونات دولار سنويًا من السلع الصناعية منها نحو 25% تُصنف ضمن ما سماه التقرير “كعب أخيل الصناعي” أي منتجات حساسة تعتمد على دول محدودة أو بعيدة جيوسياسيًا أو شديدة الأهمية للأمن القومي الأمريكي لكن الرقم الأكثر صدمة ربما يتمثل في حقيقة أن الولايات المتحدة، التي كانت في عام 2000 أكبر مصنع في العالم، أصبحت اليوم تنتج فقط ربع ما تنتجه الصين صناعيًا.

وقد وصف الخبير الاقتصادي الأمريكي ريتشارد بالدوين هذه المرحلة بـ«التفكك العظيم (The Great Unbundling)، حيث تم فصل التصميم والابتكار عن الإنتاج الفعلي فنقلت الشركات الغربية مصانعها إلى آسيا بينما احتفظت بالمراكز البحثية والعلامات التجارية في الغرب و لكن ما بدا آنذاك انتصارًا للعولمة بدأ اليوم يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية. لم تتحول الصين إلى مصنع العالم بالصدفة فمنذ أواخر السبعينيات بنت بكين نموذجًا اقتصاديًا يقوم على الدمج بين التخطيط المركزي والرأسمالية الصناعية والانفتاح التصديري والنتيجة اليوم أن الصين تنتج ما يقارب نصف السلع الصناعية عالميًا بينما تراجعت مساهمة التصنيع في الاقتصاد الأمريكي من أكثر من 21% من الناتج المحلي في السبعينيات إلى أقل من النصف حاليًا.

والفرق بين النموذجين ليس فقط في حجم المصانع بل في الفلسفة الاقتصادية ذاتها. فالولايات المتحدة بنت اقتصادًا يقوده الابتكار والخدمات والتكنولوجيا والتمويل بينما ركزت الصين على بناء منظومة صناعية متكاملة تبدأ من المواد الخام وتنتهي بأكثر المنتجات تعقيدًا ووفق وكالة الطاقة الدولية (IEA) تسيطر الصين على أكثر من 80% من سلاسل معالجة المعادن النادرة المستخدمة في البطاريات وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة.

كما تشير دراسة لجامعة هارفارد إلى أن الصين تمتلك نفوذًا شبه احتكاري في بعض المعادن الحرجة المستخدمة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية ولهذا السبب عندما تعطلت سلاسل التوريد خلال الجائحة اكتشفت أمريكا أنها تعتمد بشكل خطير على الصين حتى في منتجات أساسية مثل المضادات الحيوية والمعادن النادرة وأشباه الموصلات والتقرير يوضح أن أكثر القطاعات الأمريكية تعرضًا للخطر هو قطاع الإلكترونيات الذي تبلغ وارداته نحو 900 مليار دولار سنويًا حيث أن نصفها تقريبًا يأتي ضمن فئة “الاعتماد الحرج” وتشمل هذه المنتجات الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة والخوادم الإلكترونية والبطاريات والمعالجات الدقيقة وهنا تحديدًا تظهر الهيمنة الصينية فالصين لا تمتلك فقط طاقات إنتاجية ضخمة بل بنت ما يمكن وصفه بـ “المنظومة الصناعية الكاملة” أي أن المصنع الصيني لا يعمل بمعزل عن بيئته بل داخل شبكة قوية ومترابطة من الموردين والموانئ والطرق والعمالة والتمويل والبنية التحتية والطاقة لذلك تستطيع الصين إنتاج هاتف ذكي أو سيارة كهربائية بسرعة وكلفة يصعب على الغرب منافستها وفي المقابل يشير تقرير ماكنزي إلى أن إعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية ستحتاج إلى استثمارات قد تصل إلى تريليوني دولار أي ما يعادل نحو 6% من الناتج المحلي الأمريكي لكن المال وحده لا يكفي والتحدي الحقيقي يكمن في المهارات والبنية التحتية والطاقة والوقت والتقرير يوضح أن بعض القطاعات الأمريكية تحتاج إلى مضاعفة طاقتها الإنتاجية أكثر من خمس مرات لتغطية الطلب المحلي بينما تحتاج بعض منتجات الذكاء الاصطناعي والخوادم الإلكترونية إلى توسع يفوق عشرة أضعاف وهذا يكشف فجوة عميقة بين الاقتصادين الأمريكي والصيني فالصين خلال العقدين الماضيين لم تكن تبني مصانع فقط، بل كانت تبني “دولة صناعية” والجامعات الصينية خرّجت ملايين المهندسين والموانئ الصينية أصبحت الأكبر عالميًا وشبكات القطارات والطاقة صُممت لخدمة الإنتاج أما الولايات المتحدة فقد اتجهت أكثر نحو الاقتصاد الرقمي والخدمات المالية والابتكار البرمجي والمفارقة هنا أن هذا التحول الأمريكي نحو التكنولوجيا كان يبدو ميزة استراتيجية لكنه بدأ يتحول إلى نقطة ضعف فحتى الذكاء الاصطناعي الذي تعتبره واشنطن سلاح المستقبل يحتاج إلى رقائق إلكترونية ومعادن نادرة وبنية تصنيع مادية ضخمة وهي مجالات تملك الصين فيها نفوذًا هائلًا.

والسؤال البالغ الأهمية اليوم هل يمكن لأمريكا أن تعيد التصنيع دون أن تفقد ميزتها الاقتصادية؟ والإجابة طبعا ليست سهلة فالمنتجات الأمريكية ستكون غالبًا أعلى تكلفة من نظيراتها الآسيوية كما أن المستهلك الأمريكي نفسه اعتاد لعقود على أسعار منخفضة بفضل الواردات الرخيصة ولذلك، فإن العودة إلى “صنع في أمريكا” قد تعني ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم وربما حتى تراجع القدرة التنافسية لبعض الصناعات وفي المقابل، ترى واشنطن أن الاعتماد المفرط على الصين يحمل مخاطر أكبر بكثير من ارتفاع الأسعار فالحرب الأوكرانية وأزمة الرقائق الإلكترونية والتوترات حول تايوان جميعها أقنعت صناع القرار الأمريكي بأن الاقتصاد لم يعد منفصلًا عن الأمن القومي ولهذا بدأت الولايات المتحدة بالفعل بتغيير قواعد اللعبة عبر قوانين مثل CHIPS Act لدعم صناعة أشباه الموصلات وحوافز ضخمة لمصانع البطاريات والسيارات الكهربائية والطاقة النظيفة.

لكن الصين أيضًا لا تقف مكتوفة الأيدي فبكين انتقلت من مرحلة “التقليد الصناعي” إلى مرحلة “الابتكار الصناعي”. شركات مثل BYD وHuawei وCATL أصبحت تنافس عالميًا في السيارات الكهربائية والبطاريات والاتصالات بل إن بعض القطاعات الصينية بدأت تتفوق تكنولوجيًا وبكلفة أقل على الغرب وهو ما يقلق واشنطن بشدة.

وربما هنا تكمن الرسالة الأعمق في تقرير ماكنزي: الصراع القادم بين أمريكا والصين لن يكون فقط على من يبتكر التكنولوجيا بل على من يملك القدرة الصناعية لتحويل الابتكار إلى قوة اقتصادية وجيوسياسية ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد حاملات الطائرات أو حجم البنوك، بل أيضًا بمن يملك المصانع والرقائق والمعادن وسلاسل التوريد والحقيقة الأهم هي أن فك الارتباط الكامل بين الاقتصادين يبدو شبه مستحيل فالعالم المعاصر قائم على تشابك صناعي وتكنولوجي عميق للغاية والسؤال الحقيقي ليس من سيربح الحرب الصناعية، بل هل يستطيع العالم تحمل تكلفة انقسامه إلى منظومتين صناعيتين متنافستين؟

** **

- كاتب أمريكي

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...