الجمعة, تموز/يوليو 24, 2026

All the News That's Fit to Print

د.شريف بن محمد الأتربي

«غاية التعليم هي المستقبل، وكلما أضاء المعلم الطريق أمام الطالب، سبقت خطاه واتسعت آفاقه».

قد لا يدرك المعلم، وهو يمسك بيد هذا الطفل الصغير في أول أيام حياته الدراسية أنه يضعه على الطريق إلى المستقبل. إن تلك اليد التي يمسك بها بكل رفق وحنية أب اليوم قد تكون غدًا هي اليد التي تمتد لإنقاذ حياة مريض، أو لتبني مدينة المستقبل، أو لتبتكر تقنية تساعد وطنه والعالم على التغلب على مشكلة ما، أو تكتشف دواء يعالج مرضا حار فيه الأطباء من قبله، أو توقع قرار يغيّر واقع أمة كقائد لها. هذا المعلم لن يكون غائبا عن كل هذه المشاهد، فهو حاضرها لكن دون ضجيج، حاضرًا ليرى في كل إنجاز ثمار غرسه تنمو وتترعرع أمام ناظريه، فيرفع رأسه شامخا بما وعد وأنجز، أن يعلم للمستقبل وليس للحاضر فقط.

ومن هنا تتجلى الرسالة الأعمق للتعليم؛ فليست غايته أن يملأ ذاكرة الطالب بمعلومات يستطيع الوصول إليها في ثوانٍ عبر محركات البحث أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل أن يبني عقلًا يحسن التفكير، ونفسًا تجيد الاختيار، وشخصية قادرة على التعلم المستمر والتكيف مع عالم لا يكف عن التحول اللحظي. فالتعليم الذي ينتهي عند ورقة الاختبار تدريب أو رحلة سفر مؤقتة، أما التعليم الحقيقي فهو ما يبقى حين تُغلق الكتب، ويظهر أثره عندما تمتحن الحياة أصحابها.

لقد دخل العالم سباقًا لا تهدأ سرعته؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تعريف المهن، والتقنيات تعيد صياغة أنماط الحياة، ووظائف الغد لم تعد امتدادًا مباشرًا لوظائف الأمس. وتشير تقارير المنظمات الدولية إلى أن كثيرًا من الأطفال الذين يدخلون المدارس اليوم سيعملون في وظائف لم تكن موجودة عند التحاقهم بالتعليم، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي ليس: ماذا نعلّم أبناءنا؟ بل: كيف نهيئهم لعالم لم يكتمل شكله بعد؟

والإجابة تبدأ من المعلم.

فالمعلم ليس ناقلًا للمعلومة، بل ميسرها، وشارحها، وهو مهندس للوعي وصانع للرؤية لدى أطفال لازالت الصورة أمامهم ضبابية. فغالبية أولياء الأمور لا يرددوا سوى عبارة واحدة: ذاكر لأجل النجاح. أما المعلم فهو يقول أفهم، أستوعب، خذ العبرة لأجل المستقبل. إنه يرى في طلابه وعدًا لم يتشكل بعد، وموهبة قد لا يعرف صاحبها طريقها. فبكلمة منه يوقظ الثقة بالنفس ويثبت قواعدها، وبسؤال يفتح باب الدهشة ويثري العقول بالبحث عن إجابة له، وبموقف تربوي يغرس قيمة خلقية أو إنسانية تمتد أبعد من مقاعد الدراسة، قد تمتد طوال العمر لهؤلاء الطلبة. لذلك لا يُقاس أثر المعلمين العظام بما امتلأت به الدفاتر، بل بما اشتعل في العقول من شغف، وفي القلوب من أمل.

وقد يكون أعظم ما يفعله المعلم أنه يستعير من المستقبل نظرة لا يملكها الطالب بعد؛ فيرى الطبيب في طفل يعشق العلوم، والمهندس في فتى لا يكف عن تفكيك ألعابه، والقاضي في طالب لا يساوم على العدالة، والكاتب في طفلة لا تتوقف عن السؤال. إنه لا يتنبأ بالغيب، لكنه يحسن قراءة البذور قبل أن تتحول إلى أشجار.

ولذلك يحتفظ التاريخ بقصص معلمين غيّروا مسارات حياة طلابهم، لا لأنهم قدّموا لهم إجابات جاهزة، بل لأنهم منحوا كل واحد منهم شيئًا أثمن من الإجابة: الإيمان بقدراته. فكم من طالب لم يكن يثق بنفسه حتى جاء معلم آمن به، وكم من موهبة كادت أن تذبل لولا كلمة تشجيع صادقة، أو فرصة منحها معلم رأى ما لم يره الآخرون. ولعل هذا هو الفرق بين من يدرّس المنهج، ومن يصنع الإنسان، أو بين من يمتهن التعليم، ومن هو موظف تعليم.

ولم يعد هذا مجرد انطباع تربوي أو مجتمعي سائد، بل هو انطباع تؤيده الكثير من الدراسات الحديثة. فقد أظهرت أبحاث رائدة في اقتصاد التعليم أن أثر المعلم الفعّال يمتد إلى ما بعد سنوات الدراسة، إذ ترتبط جودة المعلم أولا بالسلوكيات الحسنة والالتزام الأخلاقي، ثم بتحسن مؤشر التحصيل العلمي، وزيادة فرص الالتحاق بالتعليم العالي، وارتفاع الدخل المستقبلي، بل وأيضا تحسن مؤشرات الحياة على المدى البعيد. وهذا يؤكد أن الاستثمار في المعلم ليس استثمارًا في التعليم فحسب، بل في مستقبل المجتمع بأكمله.

وتؤكد التجارب العالمية هذه الحقيقة. فحين جعلت فنلندا التعليم رافعة نهضتها، لم تبدأ من المباني ولا من كثافة الاختبارات، بل من المعلم؛ أحسنت اختياره، وأعدته بعناية، ومنحته استقلالية مهنية، ورفعت مكانته الاجتماعية، حتى أصبح أحد أكثر المهن احترامًا، وصار نظامها التعليمي نموذجًا عالميًا في الجودة.

وفي سنغافورة، التي تحولت خلال عقود قليلة من دولة محدودة الموارد إلى واحدة من أكثر الاقتصادات تنافسية، استقر المبدأ بوضوح: «لا يمكن لجودة النظام التعليمي أن تتجاوز جودة معلميه»، ولذلك لم تنظر إلى إعداد المعلم بوصفه تكلفة، بل استثمارًا طويل الأمد في الإنسان والاقتصاد والمستقبل.

أما اليابان، فقد خرجت من رماد الحرب وهي تدرك أن بناء الإنسان أصعب وأبقى من بناء المصانع، فجعلت المدرسة ورشة النهضة الأولى، ومنحت المعلم منزلة اجتماعية رفيعة؛ لأنه صانع الأجيال وحارس الهوية الثقافية، قبل أن يكون موظفًا يؤدي مهمة تعليمية.

وعلى اختلاف البيئات والثقافات، تلتقي هذه النماذج عند حقيقة لا تخطئها التجارب: إن مستقبل الأمم يبدأ من الفصل الدراسي، وإن مستقبل الفصل يبدأ من المعلم الكفء.

وفي المملكة العربية السعودية، تمضي رؤية المملكة 2030 بهذا الوعي الإستراتيجي، إذ جعلت بناء الإنسان محور التنمية الوطنية ومحرك تنافسيتها. فلم يعد تطوير التعليم مجرد تحديث للمناهج أو إدخال للتقنيات، بل مشروعًا وطنيًا متكاملًا لإعداد جيل يمتلك مهارات المستقبل، ويقود الابتكار، ويسهم في اقتصاد معرفي ينافس عالميًا. ومن هنا تتسع مسؤولية المعلم، وتتضاعف قيمته، بوصفه شريكًا أصيلًا في صناعة مستقبل الوطن.

فالطالب لا يحتاج إلى من يخبره بما يعرفه الجميع، بل إلى من يفتح له نافذة على ما لم يره بعد؛ إلى معلم يعلّمه أن السؤال أحيانًا أوسع من الإجابة، وأن الفشل محطة للتعلم لا نهاية للطريق، وأن المعرفة تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى عمل، وإبداع، ومسؤولية.

ولهذا أؤمن ويؤمن الكثيرون مثلي بأن أعظم ما يقدمه المعلم لطلابه ليس معلومة جديدة، بل بصيرة جديدة للحياة. فإذا منح طلابه الثقة بأنفسهم، ووجهة واضحة محددة يسيرون نحوها، وشغفًا يرافقهم في رحلة تعلمهم؛ فقد أدى رسالته بأكمل معانيها.

وفي النهاية، قد يدوّن التاريخ أسماء العلماء، والمخترعين، والقادة، ورواد الأعمال، لكنه كثيرًا ما يمر سريعًا على من صنعوا بداياتهم. غير أن أثر المعلم لا يحتاج إلى أضواء كي يبقى؛ فهو البذرة التي لا تُرى، لكنها تمنح الشجرة جذورها، وتحقق آمال الآباء والأمهات، وتثري المجتمع بالعقول النيرة، وتمنح الوطن مستقبلا زاهرا.

فإذا كان المستقبل هو غاية التعليم، فإن المعلم هو أول من يطرق أبوابه، وأول من يشعل نوره، وأول من يجعل الطريق إليه أقرب، وأوضح، وأكثر امتلاءً بالأمل.

لا يبدأ بناء الأجيال من إعداد المناهج، بل من اختيار المعلم؛ فإذا أحسنا اختياره، أحسنا مستقبل الوطن.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...