قصة زرّين.. أحدهما نخشى أن نضغطه والآخر نخشى ألا نضغطه - جانبي فروقة
جانبي فروقة
عاش العالم لثمانين عاماً تحت ظلال ما يسمى في المخيلة السياسية بـ«الزر النووي» حيث إن قوته لم تكن في ضغطه بل في الخوف من ضغطه فقد أدركت القوى الكبرى أن اللحظة التي يمد فيها طرف إصبعه نحو الزر قد تكون اللحظة التي يخسر فيها الجميع، وهكذا نشأ الردع النووي على قاعدة بسيطة وهي «نملك السلاح لكن بقاءنا يعتمد على ألا نستخدمه».
وأما الذكاء الاصطناعي فيضعنا أمام مفارقة معاكسة حيث إنه هنا قد لا يكون الخطر في ضغط زر الإيقاف، بل في التأخر عن ضغطه عندما تظهر علامات فقدان السيطرة. ومع ذلك، لا تجرؤ أي دولة أو شركة على التوقف أولاً لأن الأمريكي يخشى أن يضغط الزر فتواصل الصين التقدم والصيني يخشى أن يتباطأ فتحتفظ أمريكا بالتفوق والجميع يدرك المخاطر، لكن كل طرف ينتظر أن يرفع الآخر قدمه عن دواسة السرعة وهذه هي معضلة السجين التي تم شرحها في المقال السابق.
قال رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون مؤخرا إن بلاده لا تستطيع فرض وقف على تطوير الذكاء الاصطناعي لأن ذلك يعني خسارة التفوق لمصلحة الصين بما يحمله من آثار ومخاوف على الأمن القومي وقبلها بيوم قال الرئيس دونالد ترامب بعبارة تختصر المزاج الأمريكي كله: «من يفوز بالذكاء الاصطناعي، يفوز بكل شيء» وليست اللغة هنا لغة شركة تطلق منتجاً بل لغة دولة ترى أن الخوارزمية أصبحت مثل حاملات الطائرات والعملة والرقائق فهي أصبحت أداة قوة تحدد من يكتب قواعد القرن المقبل لكن المفارقة أن بعض قادة الشركات الأمريكية، مثل داريو أمودي وسام ألتمان وإيلون ماسك بدأوا يدعون أيضا إلى إبطاء تطوير القدرات الأكثر خطورة بينما يرد سياسيون وتنفيذيون آخرون بأن أي تباطؤ أمريكي سيكون هدية جاهزة لبكين والصين من جهتها ردت في عبر صحيفة « الشعب» بأن الذكاء الاصطناعي ليس احتكاراً للقوى الكبرى ولا ينبغي أن يتحول إلى ساحة منافسة صفرية، تبدو العبارة دعوة مثالية إلى التعاون لكنها أيضاً رسالة استراتيجية محسوبة فأمريكا تتفوق في رأس المال والرقائق المغلقة أما الصين فتريد أن تجعل الانفتاح والسعر والانتشار أدوات نفوذ بديلة ولهذا لم تعد المسألة مقارنة بسيطة بين تشات جي بي تي ChatGPT وديب سيكDeepSeek بل مواجهة بين نموذجين اقتصاديين الأول يبني أعلى قمة ممكنة ولو بكلفة هائلة والثاني يحاول نشر ذكاء جيد بما يكفي رخيص بما يكفي ومفتوح بما يكفي ليصبح بنية تحتية في دول لا تستطيع شراء القمة الأمريكية.
اليوم الأرقام تشرح لماذا أصبحت واشنطن قلقة فتقرير «مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026» الصادر عن جامعة ستانفورد يقول إن فجوة أداء أفضل النماذج الأمريكية والصينية انكمشت إلى 2.7 % فقط في مارس 2026 وتصف سام ساكس الباحثة في جامعة جونز هوبكنز هذه الفجوة بأنها ضيقة وهشة ومع ذلك ما زال المال أمريكياً بوضوح فقد بلغ الاستثمار الخاص الأمريكي في الذكاء الاصطناعي 285.9 مليار دولار في 2025، مقابل 12.4 ملياراً في الصين أي أكثر من 23 ضعفاً وهنا تظهر المفارقة: أمريكا تصب نهراً من رأس المال في الحوسبة لكن الصين تحصل من كل قطرة على مسافة أكبر ورغم أن القيود على الرقائق آلمتها لكنها أجبرتها أيضاً على تعلم الاقتصاد في الحوسبة وتحويل الندرة إلى مدرسة للكفاءة.
لكن سباق اليوم لا يقوم على التدريب وحده بل على تشغيل النماذج ملايين المرات داخل الشركات والهواتف والمصانع ففي 8 سبتمبر 2026 أعلنت كوالكوم أن أمازون قد تشتري ما يصل إلى 60 مليار دولار من رقائق مراكز البيانات والمنتجات المرتبطة بها بموجب شراكة طويلة الأجل وتركز خصوصاً على رقائق الاستدلال أي تشغيل النموذج بعد تدريبه وهذا التحول مهم فعصر الاستعراض بالنموذج العملاق يفسح المجال لعصر الفاتورة الشهرية والشركة التي تخسر دولاراً في كل مليون مهمة لن ينقذها حصول نموذجها على المركز الأول في اختبار أكاديمي ومن هنا تأتي قوة العرض الصيني فقد لا يكون الأفضل دائماً لكنه يضغط تكلفة «وحدة الذكاء» كما ضغطت الصين سابقاً تكلفة الألواح الشمسية والبطاريات والسلع الإلكترونية وحتى الهاتف دخل المعركة ففي منتصف سبتمبر كشفت «ميديا تك» (MediaTek) التايوانية عن معالج «دايمنستي 9600 برو» (Dimensity 9600 Pro) المصنوع بتقنية دقة 2 نانومتر لدى «تي إس إم سي» (TSMS)، وقالت إن وحدة الذكاء فيه حسّنت معالجة الطلب قبل توليد الإجابة بنسبة 51 % مقارنة بالجيل السابق كما جمعت الشركة 3.9 مليارات دولار عبر سندات قابلة للتحويل واستثمرت «إنفيديا» وحدها 3.5 مليارات منها وقد تبدو هذه أخباراً تقنية متفرقة لكنها ترسم الخريطة الحقيقية حيث إن أمريكا تصمم كثيراً من العقول وتايوان تصنع أكثر الرقائق تقدماً والصين تملك سوق الأجهزة والمصانع التي تستطيع نشر الذكاء فيها على نطاق هائل و هذا يعني أنه لا توجد دولة تملك السلسلة كاملة ولذلك فإن الحديث عن «الاستقلال التكنولوجي» يخفي وراءه شبكة اعتماد متبادل يصعب قطعها من دون أن يتألم الجميع.
تملك الصين ورقة لا تظهر بوضوح على لوحات قياس النماذج وهو الجسد الصناعي فالاتحاد الدولي للروبوتات يقول إن الصين ركبت 295 ألف روبوت صناعي في 2024 وتمثل 54 % من جميع التركيبات الجديدة في العالم وأصبح لديها نحو مليوني روبوت عامل فإذا كان النموذج هو العقل فإن هذه الروبوتات هي العضلات والفرق بين اختراع مساعد ذكي داخل متصفح وإدخاله إلى مصنع أغذية أو مستودع أو سيارة ليس فرقاً في البرمجيات فقط بل إنه فرق في المحركات والحساسات والطاقة وسلاسل التوريد والعمال المدربين، أمريكا تتفوق في القمة الرقمية لكن الصين تملك أرضاً أوسع لتحويل الخوارزمية إلى إنتاج مادي وهذه ربما أهم جبهة في السباق كله. ثم جاءت تهمة «تقطير النماذج» (Model Distillation) لتكشف وجهاً جديداً للصراع ففي 8 سبتمبر اتهمت أجهزة أمريكية بينها مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي شركات «ديب سيك» و»علي بابا» و»مونشوت» و»زد إيه آي» بتنفيذ عمليات عدوانية وخبيثة وموجهة على نطاق صناعي لاستخراج قدرات النماذج الأمريكية، فالتقطير في أصله أسلوب معروف حيث يتعلم نموذج أصغر من مخرجات نموذج أكبر وواشنطن تقول إن الشركات الصينية تجاوزت التعلم المشروع إلى الوصول غير المصرح به وبكين تصف الاتهام بأنه مقلق ويحمل معايير مزدوجة وتهدد بإجراءات مضادة وإذا كانت الحقيقة القانونية تحتاج إلى أدلة وتحقيقات فإن الحقيقة الاقتصادية واضحة فإذا كانت الشركة الأولى تنفق المليارات لاكتشاف الطريق بينما يستطيع منافس أن يتعلم خريطته بكلفة أقل لذلك فإن حماية مخرجات النموذج ستصبح بأهمية حماية الرقائق نفسها غير أن الطرفين خلف هذه الاتهامات ينظران إلى الخطر ذاته ونشرت «رويترز» مؤخرا أيضا أن الصين تعد معياراً وطنياً إلزامياً لسلامة وكلاء الذكاء الاصطناعي وقد يكون الأول من نوعه عالمياً بعدما حذرت سياساتها من فقدان السيطرة التشغيلي على أنظمة تستطيع التخطيط والتنفيذ باستقلال أكبر وتطلب القواعد من المطورين القدرة على اكتشاف السلوك غير السليم والتدخل فيه وإيقافه والتعافي منه مع إبقاء القرار النهائي للمستخدم ، والفرق لا يكمن إذاً في أن أمريكا تخاف والصين لا تخاف بل في طريقة إدارة الخوف حيث أن النقاش الأمريكي يميل إلى التزام الشركات والمقيّمين المستقلين بينما تميل بكين إلى المعايير الإلزامية والاختبارات المدعومة من الدولة.
و التحدي الكبير اليوم هو أنه حتى داخل الولايات المتحدة لا يوجد اتفاق فمارك زوكربيرغ يرى أن المنافسة والمسؤولية القانونية تمنحان الشركات حافزاً كافياً للسلامة ويقول إن «الثقة والمواءمة « ستصبحان أهم ما يميز النماذج أما الداعون إلى التباطؤ فيرون أن الشركة التي تتوقف وحدها قد تخسر السوق ولذلك تحتاج الصناعة إلى تنسيق جماعي وهذه بحد ذاتها معضلة تشبه مصنعاً يعرف مديروه أن تشغيل الآلات بأقصى سرعة قد يسبب حادثاً لكن كل واحد يخشى أن يخفض السرعة بينما يواصل المنافس الآخر الإنتاج وهذه هي معضلة السجين التي شرحناها في مقال سابق وفي عالم تُقاس فيه القيمة السوقية بمئات المليارات لا يكفي أن نقول للشركات تصرفوا بحكمة بل الحوافز نفسها يجب أن تُصمم بحكمة.
إن سباق أمريكا والصين أصبح مشكلة عالمية لا مباراة ثنائية فالصين وعدت هذا العام بتقديم خمسة آلاف فرصة تدريب في الذكاء الاصطناعي للدول النامية وإتاحة أداة صينية للإنذار المناخي المبكر لثلاثين دولة بينما انضمت 29 دولة إلى منظمة تعاون دولية للذكاء الاصطناعي تقودها بكين هذه ليست مساعدات تقنية بريئة فقط إنها بناء لنظام نفوذ تماماً كما تُبنى الموانئ وشبكات الاتصالات وهو نوع جديد من نمو القوة الناعمة وفي المقابل تقود واشنطن شراكات لسلاسل توريد الرقائق والبنية التحتية ومن سيختار نموذجاً صينياً اليوم قد يبني حوله بياناته ومطوريه ومعاييره غداً ومن يشتري السحابة الأمريكية قد يدخل منظومة يصعب مغادرتها لاحقاً.و بالنسبة إلى الخليج والعالم العربي فباعتقادي أن التحدي الأكبر سيكون في اختيار مقعد المتفرج أو الاكتفاء بشراء أحدث نموذج فالمنطقة تملك الطاقة ورأس المال والأسواق واللغة التي ما زالت تعاني نقصاً في البيانات عالية الجودة لكنها تحتاج إلى الطبقة المفقودة وهي مراكز حوسبة كفؤة وبيانات عربية وسيادية وشركات تطبيقات صناعية وقدرة على تقييم النماذج لا مجرد استهلاكها والفرصة ليست في تقليد مختبر أمريكي يكلف عشرات المليارات ولا في الارتهان الكامل لنموذج صيني رخيص بل في بناء استقلال عملي يسمح باستخدام الأفضل من الطرفين مع الاحتفاظ بالبيانات والخبرة والقدرة على التبديل.
كتب بيل غيتس قائلا: أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح «أعظم أداة للمساواة» أو «أسوأ مصدر للظلم» وأن العالم لا يملك بعد خطة كافية للانتقال وربما هذه هي الخلاصة الأهم فالمستقبل لن يقرره النموذج الذي يجيب عن أصعب سؤال فقط بل المجتمع الذي يعرف أي سؤال لا ينبغي أن يتركه للآلة فالزر الأحمر فوق الطاولة ليس زر إيقاف التكنولوجيا فلا أمريكا ستضغطه وحدها ولا الصين ستنتظرها بل هو زر يحدد ما إذا كانت السرعة ستظل في خدمة الإنسان أم يصبح الإنسان مجرد راكب في مركبة تتسارع لأن منافسه يضغط الوقود وفي هذا السباق قد لا يفوز من يصل أولاً بل من يظل قادراً على اختيار الطريق بعد أن تبدأ الآلة بالقيادة.
** **
- كاتب أمريكي
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 882
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 992
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 881
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 850
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 851
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1076
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...