الخميس, شباط/فبراير 19, 2026

All the News That's Fit to Print

هدى بنت فهد المعجل

يظن كثير من الناس أن ما يمنعهم من المحاولة هو الخوف من الفشل، لكن الحقيقة أهدأ وأعمق من ذلك. الإنسان لا يخاف النتيجة السيئة بقدر ما يخاف الفراغ الذي قد تتركه تلك النتيجة في داخله. الفشل حدثٌ واضح يمكن وصفه، أما الفراغ فهو شعور بلا شكل، بلا لغة، وبلا حدود، ولهذا يبدو أكثر تهديدًا.

الفشل، مهما كان مؤلمًا، يمنح صاحبه قصة. يستطيع أن يقول: حاولت ولم أنجح، أو تعثرت ثم قمت. أما الفراغ فلا يمنح قصة، بل يسحب من الإنسان الإحساس بأنه يسير نحو شيء. إنه ليس سقوطًا، بل توقّف في مساحة لا تشير إلى اتجاه. ولهذا، حين يتردد الناس قبل خطوة جديدة، فهم لا يسألون أنفسهم: ماذا لو أخفقت؟ بل يسألون في أعماقهم: ماذا لو لم أشعر بشيء بعدها؟

الإنسان بطبيعته يحتاج أن يشعر أنه ممتلئ بمعنى ما، حتى لو كان هذا المعنى مؤقتًا أو هشًا. العمل يملأ جزءًا من الفراغ، العلاقات تملأ جزءًا آخر، وحتى الانشغالات الصغيرة تمنح إحساسًا بأن للحياة وزنًا. لذلك، عندما يقترب من قرار قد يغيّر هذا الامتلاء، يشعر بخوف خفي. ليس خوفًا من الخسارة وحدها، بل من احتمال أن يجد نفسه فجأة في مساحة صامتة، بلا دور واضح، ولا إحساس بأنه مطلوب في مكان ما.

هذا ما يجعل بعض الناس يتمسكون بوظائف لا يحبونها، أو بعلاقات انتهت منذ زمن، أو بروتين يومي يرهقهم. هم لا يحمون نجاحهم، بل يحمون امتلاءهم المؤقت. الفراغ بالنسبة إليهم ليس راحة، بل سؤال مفتوح: من أكون إذا توقّف كل هذا؟ وماذا يبقى مني إذا لم يعد لديّ ما يشغلني؟

والغريب أن المجتمع يساهم في تكبير هذا الخوف دون أن ينتبه. فهو يربط قيمة الإنسان بما يفعله باستمرار، لا بما يكونه في داخله. من يعمل أكثر يبدو أهم، ومن يظهر في مشهد الحياة باستمرار يبدو أكثر حضورًا. أما من يتوقف قليلًا ليعيد التفكير، فقد يُنظر إليه كأنه تراجع أو ضاع. وهكذا يتعلم الناس أن يملؤوا أيامهم بأي شيء، فقط كي لا يواجهوا لحظة الصمت التي قد تكشف لهم أسئلة لم يؤجلوها فحسب، بل هربوا منها.

لكن الفراغ ليس دائمًا عدوًا كما نظن. أحيانًا يكون المساحة الوحيدة التي يستطيع الإنسان فيها أن يرى نفسه دون ضجيج. حين تتوقف الانشغالات، يظهر ما كان مخفيًا خلفها: الرغبات الحقيقية، التعب المتراكم، وحتى الأحلام التي تم تأجيلها حتى بدت غير موجودة. الفراغ لا يسلب المعنى، بل يزيل الطبقات التي كانت تغطيه.

غير أن مواجهة هذه المساحة تحتاج شجاعة مختلفة عن شجاعة المحاولة. فالمحاولة تتجه نحو الخارج، نحو إنجاز أو نتيجة. أما الفراغ فيتجه إلى الداخل، إلى مواجهة النفس دون وسطاء. ولهذا يفضّل البعض البقاء في حركة دائمة، لأن الحركة تمنحهم وهم السيطرة، بينما السكون يجبرهم على رؤية ما لا يمكن تبريره بسهولة.

في لحظة صادقة، قد يكتشف الإنسان أن حياته لم تكن مزدحمة لأنه كان سعيدًا، بل لأنها كانت تحميه من الشعور بالفراغ. وقد يدرك أن ما ظنه خوفًا من الفشل لم يكن سوى خوف من أن تتوقف الضوضاء فجأة، فيسمع صوته الداخلي بوضوح لأول مرة.

وهنا فقط يتغيّر السؤال. لا يعود: كيف أتجنب الفشل؟

بل يصبح: هل أملك الشجاعة لأقف قليلًا في المساحة الصامتة بين ما كنت عليه وما يمكن أن أكونه؟

فالإنسان لا ينضج حين ينجح فقط، بل حين يتعلم كيف يجلس مع نفسه دون أن يهرب منها.

والفراغ، رغم قسوته الأولى، قد يكون المكان الوحيد الذي يولد فيه المعنى الحقيقي.. لا لأنه مليء بشيء، بل لأنه أخيرًا خالٍ بما يكفي لنسمع ما بداخلنا.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...