الجمعة, آب/أغسطس 21, 2026

All the News That's Fit to Print

كمصري، كنتُ وما زلتُ أحلم بتحرُّر مصر من استبداد النيل، وأزعم أنني المالك الوحيد لنظرية تقول: إن النيل هو أصل الاستبداد في مصر، وأن مشروعات ترويضه وإدارة موارده والسيطرة على

غضبه أو شحّه، مثل القناطر والسدود، والترع والأهوسة، هي في بعض تجلياتها مشروعات لترويض المصريين في ذات الوقت.
اقتصاد المنتج الواحد، نيلاً كان أم نفطًا، ينتج عنه بعض التشوُّهات، التي تنال من قدرة البسطاء على الإبداع، وإنتاج البدائل، فهذا المنتج الواحد يُهيمن في الحقيقة على حياة مَن يعتمدون عليه، ولا يعتاشون إلا به.
النيل في مصر، والنفط في السعودية، كانا وما زالا شرياني حياة للشعبين على ضفتي البحر الأحمر، لكنهما أنتجا حالة من الاعتماد المفرط عليهما، وصفها الأمير محمد بن سلمان في الحالة السعودية بكل شجاعة بأنها «إدمان النفط».
هل تستطيع السعودية التحرر من النفط؟!
الرؤية السعودية حتى العام 2030، التي طرحها الأمير الشجاع محمد بن سلمان ولي ولي العهد ووزير الدفاع والمسؤول عن الشؤون الاقتصادية والتنموية، تقول: نعم نستطيع.. ويبقى السؤال: كيف؟.
إجابات سمو ولي ولي العهد، أشارت إلى ثلاثة مقومات أو مكوِّنات تتيح للسعودية أن تفعل ذلك بكفاءة أعلى وبمخاطرة أقل.
المكونات الثلاثة هي:
القوة الاستثمارية السعودية.
الموقع الجغرافي للسعودية.
العمق العربي والإسلامي.
في المكونات الثلاثة للقدرة السعودية، بدا الأمير محمد بن سلمان مستوعبًا ما تتيحه تلك المكونات للمملكة من قدرات، ومدركًا لأهمية استثمار مكونات القوة حتى العام 2030، ومستعدًا للتجاوب مع ما يمكن أن تطرحه مراحل التحول من تحديات، فهو يقول مثلاً: «تقديس أرامكو عند البعض مشكلة كبيرة»، ويرد على ذلك بقوله: «طموحنا سيبتلع مشاكلنا مهما بدت كبيرة».
هذه العبارة الأخيرة في ظني هي «فصل الخطاب» في كلام الأمير محمد بن سلمان، فهي تعني أن شيئًا مهما بلغت قوته، لن يعوقنا عن المضي قدمًا في خططنا للتحرر من النفط.
بدائل النفط التي طرحها سمو الأمير، كمصدر للدخل في السعودية، تقتضي تغييرات بعضها عميق، في علاقات الوطن بمواطنيه، وفي علاقات المواطنين بأرضهم، وبثرواتهم، ما سوف ينعكس بقوة على كافة ملامح الحياة اليومية للإنسان السعودي.
لم أكن في البداية، مستوعبًا للعنوان الذي اختير لمرحلة ما بعد النفط ، وكنت أعتقد أن عبارة «التحول» الوطني، تحوي قدرًا غير قليل من المبالغة، فالتحول أوسع كثيرًا من التطوير، أو الإصلاح، أو التغيير، وهو لا يقف عن حد تنويع مصادر الدخل الوطني، لكنه يقود في التحليل الأخير، إلى إقرار بالتنوع داخل الوطن الواحد سيكون له ما بعده بالتأكيد، فيما يتعلق بتكريس قِيَم المواطنة دون أدنى تمييز مهما كانت أسبابه. والاقتصاد الذي ينفتح على موارد بديلة، يفتح الباب للفكر الذي يرتوي هو أيضًا من مناهل عديدة ومتنوعة، ثم إن الشفافية التي اعتبرها الأمير محمد بن سلمان أهم النتائج المباشرة، لطرح خمسة بالمائة فقط من أسهم شركة أرامكو العملاقة، لن تقف على إطلاع حملة الأسهم على أداء الشركة، لكن هذه الشفافية ذاتها ستطال مناحٍ أخرى في حياة السعوديين على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية، كما ستسهم في تكريس قِيَم المراقبة والمحاسبة.
رؤية المستقبل في السعودية كما طرحها الأمير محمد بن سلمان، سوف تسهم أيضًا في ضبط العلاقة بين المواطن وبين الدولة، التي لا يمكنها بعد التحرر من النفط أن تواصل دور الأم الحاضنة، التي تقدم الرفاهية مجانًا لمواطنين بعضهم لا ينتج، ولا يسدد الضرائب، ويتفلت من القوانين والأنظمة، فالبديل الحقيقي للنفط في الحالة السعودية والنيل في الحالة المصرية، هو الإنسان المواطن المؤهل لمواجهة استحقاقات المستقبل.
تنجح الرؤية السعودية التي طرحها الأمير محمد بن سلمان عندما تصبح السعودية هبة شعبها، هذا هو التحدي الحقيقي الذي يعني إنجازه أن تحولاً وطنيًا حقيقيًا قد تم بالفعل، فالأوطان هبة شعوبها، وهي تستطيع بهم ابتلاع المشكلات مهما كانت كبيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS

تبدأ بالرمز (21) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى

88591 - Stc

635031 - Mobily

737221 - Zain

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...