العدوان على المجتمع
إن هذه الاعتداءات المشينة قد جاءت على مشارف يوم جعله الله للمسلمين عيداً، وكأنها قد استهدفت بذلك شعائر الله، بموازاة استهدافها عباده، الذين كانوا في ضيافة شهره الفضيل..
في الرابع من تموز يوليو 2016، تعرضت المملكة لسلسة من الاعتداءات، استهدفت كلاً من القطيف وجدة والمدينة المنورة؛ بشكل منسق ومتزامن استهدفت ترويع المدنيين الآمنين.
ولعل الجديد أيضاً هو أن هذه الاعتداءات المشينة قد جاءت على مشارف يوم جعله الله للمسلمين عيداً، وكأنها قد استهدفت بذلك شعائر الله، بموازاة استهدافها عباده، الذين كانوا في ضيافة شهره الفضيل.
هذه جريمة مضاعفة في دلالتها الصادمة للدين ومقاصده.
في الاجتماع البشري، ثمة سؤال حول مغزى أن يتجه فرد لاستهداف مجتمع نشأ فيه وترعرع في ظلاله، ولم يبادره أبناؤه إلا بخير.
هذا سؤال أكثر أهمية مما قد يبدو لأول وهلة. فالإنسان هو أولاً ابن وعائه الاجتماعي والجغرافي، من الأسرة والقرية، وكل الامتدادات الأكثر نطاقاً.
هذه الحقيقة، لا يسع الإنسان نكرانها، بل لا يُمكنه فعل ذلك، متى كان في قوامه الفكري والروحي.
إن أي تجلّ سلوكي خلاف هذا السياق يشير بالضرورة إلى حالة من الشطط وفقدان التوازن، ويعبر عن تيه وضلال.
هذه هي مسلمات الاجتماع البشري وبديهياته التي لا يختلف عليها أحد. والمطلوب العودة الدائمة إليها وقياس السلوك على ضوئها.
قد يقول قائل إن التربية الأولى للفرد، في الأسرة والحي والمدرسة، ذات دور في تحديد مسلكه. هذا صحيح بالطبع. بيد أن التربية ليست تجلياً رديفاً للفطرة، وليست بديلاً عنها، ولا تُمثل، بأي حال من الأحوال، عملية إحلالية خارج الممكن النفسي والروحي. وليس من الراجح منطقاً اعتبار مضمونها سبباً لتيه الفرد بعيداً عن فطرته.
هذه القضية طرحها الفلاسفة منذ أمد طويل، واجتهدوا كثيراً في رسم نماذج تفاعلية بين الفطرة والتربية (والمؤثرات الذهنية عموماً)، وهذه خلاصاتهم معروفة، ولا جدال فيها.
إن ما نقوله هنا لا يُمثل مرافعة تبرير لما قد يكون قد حدث من ثغرات في العملية التكوينية (التربوية) الأولى، ولا نكران لمؤثراتها، ونتائجها السيكولوجية والروحية، واستتباعاً المسلكية. بيد أن ما أردنا قوله هو أن الخروج عن الفطرة لا يُمكن إحالته لهذه الثغرات.
وثمة سؤال آخر هو: ما هي العلاقة بين الفطرة والهوى؟
الهوى -في هذا السياق -هو الميول المتضخم نحو الغرائز. وكلما زاد الإنسان ميلاً إلى غرائزه كلما قل توازنه روحياً وفكرياً، وأصبح أكثر عرضة للاضطراب على مستوى فعله وروابطه الاجتماعية.
انتهى الفلاسفة للقول بأن الميول المتضخم نحو الغرائز يُمثل تهديداً للفطرة، ويمتلك صفة (أو خاصة) مقوضة لها، وربما إحلالية. وهذا القول يُمكننا أن نجد مضمونه لدى كل من علماء الإغريق والمسلمين، كما فلاسفة عصر التنوير في أوروبا.
وكيف يُمكن للنزوع الغرائزي، بما هو إسقاط لفطرة الإنسان أو نسف لها، أن يُمثل خطراً على المجتمع؟
في الأصل، فإن استقامة الفرد، ومن ثم صلاحه في المجتمع، تُمثل تجسيداً أصيلاً أو ابتدائياً لنقاء فطرته. وهذه الاستقامة، وهذا الصلاح، لا يُمكن تصوّره من دون فطرة صافية.
هذه مسألة نسبية حسابياً أو رياضياً. والناس درجات عند ربهم، وكلما اقتربوا من الله، جلّ وعلا، أصبحوا أكثر نفعاً لعباده – لمجتمعهم ووطنهم.
في المقابل، فإن تضخم الغرائز وتطويقها للفطرة البشرية، يعني انتفاء الروح الدافعة نحو فعل البر، أو الناهية عن الشر. وهذا مكمن الخطورة.
إن ما يشار إليه بالتيه أو الضلال يجد تجلياته هنا على وجه التحديد. والضحية في هذه الحالة ليس فقط الفرد الذي ضل الطريق، بل كذلك المجتمع الذي دفع ثمن سلوك هذا الفرد.
إن اضمحلال الفطرة، أو تواريها، يعني ببساطة سقوط الخطوط الحمراء الرادعة عن فعل الشر وارتكاب الموبقات، ما كبر منها وما صغر.
في خلاصة مقاربة السلوك، في إطار مسلمات الاجتماع البشري، يُمكن القول إن جنوح السلوك، أو تيهه أو ضلاله، يجد بعض خلفياته في التربية الأولى، أو التكوين الأولي. ويجد بُعداً أكثر مركزية في النزوع الغرائزي لدى الفرد، بما في ذلك النزوع المتضخم نحو الشهوات، والتعصب للمقولات أو الأفكار الجاهزة غير المنسجمة والتحليل العقلاني.
بعد ذلك، ماذا عن مقاربة السلوك في إطار الاجتماع السياسي؟
القضية هنا أقل تعقيداً. هناك فرد وهناك دولة وسكان. هذا هو مثلث الاجتماع السياسي.
الفرد جزء من سكان الدولة، إلا أنه لا يُمثل رديفاً لغوياً له. والسكان (إضافة للأرض) هو المقوم الأولي للوطن. وهذا الأخير معني بمواءمة علاقة الفرد بالسكان أو المجتمع.
يُمكن للفرد أن يعتنق فكرة ما. وهذا هو الوجه الأول للحقيقة السياسية.
الوجه الآخر لهذه الحقيقة يتجلى في مكانة هذه الفكرة، أو موقعها، من الفضاء القيمي والأخلاقي للمجتمع، واستتباعاً أمنه القومي.
هذه هي معضلة الحرية في سياقها التقليدي، الذي قال به فلاسفة كبار على مدى عصور مختلفة من الزمن.
إن تبني فكرة ناسفة للوحدة الوطنية، أو ماسة بالأمن القومي، يُمثل شكلاً من العدوان. أو يشير إلى نزوع عدواني أولي.
هذه المسألة يشار إليها اليوم بالتطرف، كاصطلاح سياسي.
إن فرداً يعيش في مجتمع، ترعرع في ظلاله، لا يحق له، بأي حال من الأحوال، تبني قناعات فكرية ناسفة لأمن هذا المجتمع.
هذا الأمر، ينطبق على الغلو الفكري، المعبر عنه بالتفسير المتصلب للدين، ومقاصده السمحاء، وكذلك على السلوك الطائفي، الذي يقسم المجتمع وفق معايير رأسية، والحال ذاته بالنسبة للنزوع الجهوي، المنافي لفكرة الدولة وأصل فلسفتها.
وفي خلاصة هذا الايجاز التحليلي، يُمكن القول إن السلوك المتطرف، يُمثل خروجاً صريحاً عن كل من أصول الاجتماع البشري ومقتضيات الوحدة الوطنية. وهو نوعاً من التيه والضلال.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 670
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 777
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 647
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 642
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 636
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 844
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...