الجمعة, نيسان/أبريل 24, 2026

All the News That's Fit to Print

لم أقرأ عبر ما قرأت في تاريخ الأمم، أن أمة تحتقر المعلم كالأمة العربية..!! فمعلم الصبيان وراعيهم ربما كان قدره أقل قدراً من رويعي الأغنام..!! وهذا الازدراء والتحقير ليس من قبل العامة فحسب.. بل عند المثقفين منهم والكتّاب، فالجاحظ وهو أعظم مثقفي عصره كان من أشد الناس سخرية، بالمعلمين، فكان ينسب إليهم وينسج عنهم روايات تدل على الاستهجان، والاستخفاف..!!

وقصصه حول ذلك كثيرة، فمن دلائل ازدرائه واستصغاره للمعلم ما رواه من أن صبياً من أبناء الوجهاء كان كثير الغياب عن الكُتّاب - المدرسة – وذلك بأنه متولّع بكلبة يلهو بها، ويلاعبها.. وحينما غاب الصبي ذات يوم انطلق المعلم إلى بيت الصبي وجلس في خربة، وأخذ ينبح ويعوي مقلداً الكلبة فخرج الغلام فقبض عليه، وذهب به إلى الكتّاب.. ومما روى أيضاً أن أحد الصبية اشتكى زميله الذي عضّ أذنه فقال الزميل: إنه يكذب علي، وهو الذي عضّ أذنه بنفسه، فصاح المعلم: أهو جمل يعض أذن نفسه يا أحمق..؟!

ومن أشهر قصص الجاحظ العابثة بالمعلم، قصة: أم عمرو... حيث يروي، أن له جاراً من معلمي الصبية، وذات يوم رأى الناس يتوافدون على بيته معزين، فذهب إليه متأثراً وقال: عظم الله أجركم، وجبر مصيبتكم، وعليك بالصبر، والاحتساب.. ثم سأله هل المتوفى والدكم ؟ قال: لا، قال والدتكم؟ قال: لا، قال من يكون إذاً..؟ قال: حبيبتي، قال فقلت في نفسي هذه أولى مناحسه، ثم أنني سألته ما اسم حبيبتك هذه كي ندعو لها بالمغفرة..؟ قال: لا أدري، قلت إذاً كيف عرفتها ورأيتها وقابلتها..؟ قال: لم أعرفها وما رأيتها قط..!! قلت: سبحان الله كيف عشقتها..؟ قال: مر راجل ذات يوم أمام نافذة بيتي هذه وهو يغني:

يا أُم عمروٍ جزاك الله مكرمةً *** رُدي عليّ فؤادي كالذي كانا

فعلمت أن أم عمرو هذه من أجمل النساء فَشَغفَتْ قلبي، وهمِتُ بها ليلاً نهاراً

ثم أنه مرّ بي منذ يومين وهو يردد:

لقَد ذهب الحمار بأم عمروٍ *** فلا رجعَت ولا رجع الحمارُ

فعلمت أنها ماتت فأصابني من الحزن والغم ما الله به عليم.

قال الجاحظ: كنت ألفت كتاباً عن سخف المعلمين، ثم صرفت النظر عنه، ولكنني بعد هذه عزمت على إخراجه.

هكذا هو تاريخنا بكل أسف مع المعلم صانع الأجيال حتى اليوم فلا نقيم له وزناً ولا نمنحه ما يستحقه من إجلال، وتقدير، وإكرام.. بل نمنحه من الاستخفاف ما جعل طلابه يستخفون به ويزدرونه.

في الغرب، والشرق كذلك يحترمون المعلم، ويمنحونه من الهيبة والإكرام فوق ما يمنحونه للآخرين إلى درجة أننا نرى شوارع بأسماء معلمين أفذاذ.. بل ربما رأينا للمشاهير منهم تماثيل ونُصباً في شوارع وميادين المدن والقرى، نحن بكل أسف نصنع للمدرس كيساً من السخرية ونضعه في أقصى زاوية من زوايا الإهمال، والنسيان.

في الوقت الذي نسرف فيه في تكريم الفنانين، والفنانات، والمغنين، والمغنيات، ولاعبي كرة القدم، ونقيم لهم احتفالات الاعتزال، وتنهال عليهم الهدايا كالمطر.. بل ربما أن دخل مغنية في ليلة واحدة يعادل دخل معلم في عقد من الزمن، وربما أن راتب لاعب في عام يفوق راتب أستاذ جامعي منذ بداية عمله إلى أن يتقاعد..!!

أيها السادة: ما احتقرت أمة مُعلميها، إلّا احتقرت علمها وتفشى جهلها، وتخلّفها وضياعها، فالمعلمون، والأساتذة هم صُنّاع الرؤوس، والأمم، ترتقي برؤوس أبنائها، لا بأرجلهم، وحناجرهم، ودف طبولهم، فالعقول المشحونة والمخزونة بالمعرفة هي الثروة التي لا تنضب فالأمم لم تتقدم بسبب وفرة معادنها، ومخازنها الأرضية، وإنما بوفرة عبقريات عقول أبنائها، وإن نحن لم نهتم بالتعليم ومناهجه ولم نهتم بالمعلم وهو ركيزته الأولى، فسوف نظل ظلاماً في فضاء الأمم المستنيرة، بل سنظل عالة على هذه الأمم في كل شيء حتى في استيراد أعواد الثقاب، والأعواد التي نخلل بها أسناننا بعد وجباتنا الدسمة.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...