الخميس, حزيران/يونيو 25, 2026

All the News That's Fit to Print

جانبي فروقة

في 30 نوفمبر 2022 أطلقت OpenAI منتجاً تجريبياً لم يتوقع كثيرون أن يغيّر العالم وبعد أقل من 60 يوماً فقط كان أكثر من 100 مليون شخص قد استخدموا ChatGPT في أسرع موجة تبنٍّ لتقنية استهلاكية شهدها التاريخ الحديث ويكفينا أن نعرف أن تيك توك TikTok احتاج نحو 9 أشهر للوصول إلى 100 مليون مستخدم وأما انستغرام Instagram احتاج إلى أكثر من سنتين للوصول إلى الرقم نفسه، إن العالم بأسره اكتشف اليوم أن القوة لم تعد تُقاس فقط بما تملكه الدول من جيوش أو احتياطيات نفط أو أساطيل بحرية بل بما تملكه من خوارزميات وقدرات حوسبة وبيانات ويبدو أن العالم أمام فصل جديد من التاريخ يمكن تسميته بحقبة «إمبراطورية الخوارزميات» فعلى امتداد القرن العشرين ارتبط مفهوم القوة العظمى بالسيطرة على الأرض والبحر والجو أما في القرن الحادي والعشرين فقد ظهر مجال رابع لا يقل أهمية عن تلك المجالات جميعاً وهو المجال الرقمي واليوم لم يعد السؤال هو كم دبابة تملك الدولة؟ بل أصبح كم مركز بيانات تملك؟ وما حجم قدرتها الحاسوبية؟ وهل تستطيع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة بشكل مستقل؟ وهذه الأسئلة لم تعد نظرية أو أكاديمية وقد فرضت الولايات المتحدة مؤخرا قيوداً على تصدير بعض التقنيات والقدرات المتقدمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة إلى عدد من الجهات والدول بحجة الأمن القومي وبغض النظر عن المبررات السياسية أو الأمنية فقد حملت هذه الخطوات رسالة واضحة للعالم وهي أن التكنولوجيا الأكثر أهمية في القرن الحادي والعشرين يمكن أن تصبح أداة نفوذ جيوسياسي تماماً كما كان النفط في القرن العشرين وهنا تحديداً تبدأ ملامح الإمبراطورية الجديدة والأخطر في هذه التقنية أنها لا تشبه الموارد الطبيعية كالنفط فالنفط يمكن استخراجه وشراؤه وتخزينه ونقله ليُستهلك لاحقاً أما الذكاء الاصطناعي فهو كيان رقمي يتطور ويتعلم كل يوم وبالتالي مَن يملك «الإصدار الخامس» بينما أنت لا تزال عالقاً في «الإصدار الثالث» يستطيع أن يرى فرصاً اقتصادية وثغرات أمنية ومخاطر مستقبلية لا يمكنك حتى تخيلها هذا الفارق الذي قد يبدو صغيراً على الورق سيصبح في ميادين الأمن السيبراني أو الصناعة العسكرية فارقاً هائلاً يفصل بين البقاء والتبعية المطلقة.

إن الذكاء الاصطناعي الذي نتحدث عنه اليوم ليس مجرد أدوات لكتابة النصوص أو إنشاء الصور أو تلخيص الاجتماعات المعركة الحقيقية تدور حول ما يُعرف بـ»الذكاء الاصطناعي الحدودي (Frontier AI) أي النماذج الأكثر تقدماً القادرة على البرمجة المعقدة وتحليل البيانات الضخمة وتسريع اكتشاف الأدوية وتحسين الأنظمة العسكرية وإدارة البنى التحتية الحيوية. وقد وصف الرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA إنفيديا جنسن هوانغ هذه المرحلة بقوله:

«الذكاء الاصطناعي أصبح بنية تحتية أساسية مثل الكهرباء والإنترنت» وسيصبح من الصعب قريباً تصور اقتصاد تنافسي بلا ذكاء اصطناعي متقدم وإذا أردنا فهم طبيعة الصراع العالمي الحالي فعلينا النظر إلى أربعة عناصر تشكل ما يمكن تسميته بـ«معادلة السيادة الخوارزمية» والعنصر الأول هو القدرة الحاسوبية فالنماذج الحديثة تحتاج إلى آلاف الشرائح المتطورة ومراكز بيانات تستهلك كميات هائلة من الطاقة وتشير تقديرات شركة ماكينزي إلى أن الطلب العالمي على مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي قد يتضاعف عدة مرات قبل نهاية العقد الحالي ووفقاً لتقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد فإن الأهم من المال هو القدرة الحاسوبية إذ تملك أمريكا نحو 9 أضعاف ما تملكه الصين و17 ضعف ما تملكه أوروبا من الحواسيب العملاقة وأما العنصر الثاني هو رأس المال وبلغة الأرقام فقد ضخ القطاع الخاص الأمريكي نحو 286 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي حتى الآن وهو رقم يمثل ما يقارب 23 ضعف ما استثمرته الصين في نفس الفترة وتكفي الإشارة إلى أن الشركات الأمريكية العملاقة مثل مايكروسوفت وجوجل وأمازون وميتا تخطط وحدها لإنفاق نحو 650 مليار دولار في عام واحد والنتيجة الحتمية لهذا الضخ الهائل تجسدت في إنتاج المؤسسات الأمريكية لـ 40 نموذجاً بارزاً للذكاء الاصطناعي عام 2024 وهذا ليس مجرد سباق تقني بل مؤشر صارم على مَن يصنع أدوات المستقبل ومَن يضطر لشرائها والعنصر الثالث هو البيانات فالذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات كما يتعلم الإنسان من الخبرة وكلما زادت جودة البيانات واتساعها ارتفعت قدرة النماذج على الفهم والتنبؤ واتخاذ القرار أما العنصر الرابع فهو البيئة التنظيمية والتشريعية فالدول التي تنجح في تحقيق توازن بين الابتكار والحماية القانونية تمنح شركاتها مساحة أكبر للنمو والمنافسة العالمية وعند تطبيق هذه المعادلة على القوى الكبرى نجد أن الولايات المتحدة تتصدر المشهد بلا منازع فهي تحتضن شركات مثل OpenAI وGoogle وMeta وMicrosoft وAnthropic وAmazon إضافة إلى شركة إنفيديا INVIDIA التي أصبحت عملياً المورد الرئيسي للعالم في مجال شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة ويكفينا أن نعرف أن هذه الشركات التقنية السبع فقط أصبحت تمتلك قيمة سوقية تقارب 18 تريليون دولار أي ما يعادل اقتصاد ثاني أكبر دولة في العالم (الصين) وعندما تتركز داخل هذه الشرات مفاتيح الذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة والحوسبة السحابية والنماذج اللغوية العملاقة فإننا لا نتحدث عن شركات تجارية فحسب بل عن مراكز قوة عالمية جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ الدولي وهذا الرقم لا يشمل شركات أخرى مؤثرة في سباق الذكاء الاصطناعي مثل Apple وTSMC وxAI وBroadcom والتي ترفع قيمة منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية إلى ما يتجاوز 25 تريليون دولار بسهولة لكن الصورة لا تكتمل دون الصين فإذا كانت الولايات المتحدة تمثل الابتكار التجاري السريع فإن الصين تمثل التخطيط الإستراتيجي طويل الأمد وقد نجحت بكين خلال سنوات قليلة في بناء منظومة متكاملة تشمل الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات والدعم الحكومي وأصبحت أسماء مثل DeepSeek وQwen وKimi جزءاً من المشهد العالمي المتسارع والأهم من ذلك أن الصين تمتلك سوقاً داخلية تتجاوز 1.4 مليار نسمة وهو ما يوفر حجماً هائلاً من البيانات والتجارب والتطبيقات العملية واستنادا إلى تقارير حديثة رسمية صينية وعالمية نرى أن الصين لم تكتفِ بالاستثمار في مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية بل أعادت هندسة نظامها التعليمي بالكامل استعداداً لعصر الذكاء الاصطناعي فبين عامي 2021 و2025 ألغت أو جمّدت أكثر من 12,200 برنامج جامعي اعتبرتها غير متوائمة مع احتياجات الاقتصاد المستقبلي واستحدثت نحو 10,200 برنامج جديد في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وأشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة كما أضافت وزارة التعليم عشرات التخصصات الجديدة المرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي وأصبح أكثر من500 جامعة صينية تقدم تخصصات أو كليات متخصصة في هذا المجال وفي عام 2025 بدأت بكين توسيع تدريس الذكاء الاصطناعي في المناهج المدرسية والجامعية ضمن خطة وطنية تمتد حتى عام 2030 بهدف بناء جيل يمتلك مهارات الذكاء الاصطناعي منذ المراحل الدراسية المبكرة ولم تعد الجامعات الصينية تركز فقط على علوم الحاسب التقليدية بل بدأت بإطلاق تخصصات مستقبلية مثل الذكاء المتجسد (Embodied Intelligence) الذي يجمع بين الذكاء الاصطناعي والروبوتات في خطوة تعكس قناعة صناع القرار بأن المنافسة العالمية القادمة ستُحسم داخل قاعات الدراسة قبل أن تُحسم داخل الأسواق.

وإذا ما نظرنا إلى القارة الأوربية ورغم إطلاق الاتحاد الأوروبي مبادرات ضخمة لدعم الذكاء الاصطناعي لا تزال القارة تعتمد بشكل كبير على التقنيات القادمة من الخارج وهنا تكمن المفارقة الكبرى وهي أن أوروبا التي ساهمت في تأسيس العلوم الحديثة تجد نفسها اليوم مستورداً للتقنيات الأكثر أهمية في العصر الرقمي أما روسيا فتتعامل مع الذكاء الاصطناعي من منظور الأمن القومي أكثر من المنظور التجاري فالعقوبات الغربية وصعوبة الوصول إلى بعض التقنيات المتقدمة دفعتها إلى التركيز على بناء قدرات محلية وتطوير حلول موجهة للسوق الروسية وحلفائها وفي هذا السياق وبالنسبة للعالم العربي نجد أن معظم الدول متأخرة باستثناء دول الخليج التي تمتلك موارد مالية ضخمة وبنية تحتية متطورة ورؤية وخطة واضحة للتحول الرقمي وقد بدأت السعودية والإمارات وقطر في ضخ استثمارات كبيرة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية لكن الاستثمار المالي وحده لا يكفي فالسيادة الخوارزمية لا تُشترى جاهزة بل تُبنى عبر الجامعات ومراكز الأبحاث وتطوير الكفاءات البشرية وتوطين المعرفة وإنشاء شركات قادرة على المنافسة العالمية والتحدي الحقيقي لا يكمن في شراء أقوى نموذج ذكاء اصطناعي متاح اليوم بل في امتلاك القدرة على تطوير النموذج التالي غداً ولهذا السبب فإن الاعتماد الكامل على مزود تقني واحد أو دولة واحدة يمثل مخاطرة إستراتيجية قد تكون مكلفة على المدى الطويل فكما تعلم العالم دروسه من الاعتماد المفرط على مصادر الطاقة أو سلاسل الإمداد فإنه سيتعلم قريباً دروساً مشابهة في مجال الذكاء الاصطناعي.

لقد دخلنا بالفعل عصر القوة الخوارزمية عصر لم تعد فيه الحدود الجغرافية وحدها تحدد النفوذ بل أصبحت الخوادم ومراكز البيانات والنماذج الذكية وقوة الحوسبة جزءاً من معادلة القوة العالمية.

** **

- كاتب أمريكي

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...