اتفاقية مكة من أجل السلام - د.عبدالرحيم محمود جاموس
د.عبدالرحيم محمود جاموس
ليست أهمية اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في أنه أضاف اتفاقًا عسكريًا جديدًا إلى قائمة الاتفاقات الإقليمية، وإنما في اللحظة التي ظهر فيها، والتحول الذي قد يعكسه في فلسفة الأمن الإقليمي.
فالسؤال الذي حكم أمن الشرق الأوسط لعقود كان: من يحمي المنطقة؟ وكانت الإجابة تقوم، بدرجات متفاوتة، على المظلات الخارجية، والوجود العسكري الأمريكي، والتحالفات الثنائية، واختلال موازين القوة لمصلحة قوى إقليمية بعينها.
لكن الحروب والأزمات الأخيرة كشفت حدود هذه المعادلة. فالقوة الخارجية تستطيع الردع، لكنها لا تستطيع أن تصنع الاستقرار نيابة عن شعوب المنطقة، والتفوق العسكري يستطيع فرض وقائع مؤقتة، لكنه لا ينتج سلامًا دائمًا.
من هنا تبرز دلالة مكة:
الانتقال من انتظار الحماية إلى بناء القدرة، ومن الاعتماد إلى الشراكة، ومن طلب الضمانات إلى امتلاك أدوات الردع.
استقلال إستراتيجي لا قطيعة مع العالم
لا ينبغي فهم هذا التحول باعتباره التقليل من الاعتماد على الولايات المتحدة أو محاولة لإخراجها من المنطقة. فالسعودية وتركيا وباكستان ترتبط جميعًا، بدرجات مختلفة، بعلاقات إستراتيجية مع واشنطن، كما أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي.
المسألة أعمق:
لم يعد من مصلحة القوى الإقليمية أن يكون أمنها مرهونًا بمصدر واحد للقوة.
فالاستقلال الإستراتيجي لا يعني القطيعة، وإنما يعني تعدد الشراكات، وتوسيع هامش القرار، والقدرة على التفاوض من موقع القوة. وهذا ينسجم مع عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة، ولا سيما مع تنامي أدوار الصين وروسيا والقوى الإقليمية.
هنا تكمن إحدى أهم نتائج الاتفاق المحتملة.
فإيران لا تستطيع تجاهل الثقل الذي تمثله السعودية وتركيا وباكستان مجتمعة، ويمكن للاتفاق، بمحافظته على طابعه الدفاعي، أن يدفع جميع الأطراف إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي، فالمعادلة المطلوبة هي توازن يردع المعتدي.
وإذا تطورت الشراكة الثلاثية إلى تعاون في الصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي، فإن البيئة الإستراتيجية المحيطة بها ستصبح أكثر تعددًا في مصادر القوة.
ولن يكون مستقبل المنطقة في إنشاء «ناتو» جديد مغلق، وإنما في بناء شبكة أمن إقليمية متعددة المستويات: تعاون دفاعي بين بعض الدول، وتشاور إستراتيجي بين دول أخرى، ودور عربي أوسع تشارك فيه مصر ودول الخليج، مع إبقاء أبواب التعاون مفتوحة.
وهذا يجعل اتفاق مكة نواة، لا نهاية الطريق.
فالقوة الحقيقية للاتفاق لن تقاس بعدد الدول التي ستنضم إليه، وإنما بقدرته على خلق ثقافة أمنية جديدة تقوم على منع الحرب لا إدارتها فقط.
«تحالف الدفاع من أجل السلام» هو في الحقيقة جوهر مفهوم الردع.
فالردع الناجح لا يعني الرغبة في الحرب، بل إقناع الطرف الآخر بأن الحرب لن تحقق أهدافها.
ولهذا فإن القوة تصبح وسيلة للسلام عندما تكون محكومة بعقيدة سياسية واضحة: حماية السيادة، ورفض العدوان، ومنع الهيمنة، وتسوية النزاعات بالحوار، وعدم تحويل المنطقة إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى.
ولا يمكن لأي تصور جديد للأمن الإقليمي أن يتجاهل القضية الفلسطينية.
فالاحتلال والاستيطان وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ليست قضايا منفصلة عن أمن المنطقة، بل أحد جذور عدم استقرارها.
لذلك فإن بناء قدرات دفاعية جديدة يترافق مع رؤية سياسية للسلام.
وهنا تستطيع السعودية، ومعها تركيا وباكستان، أن تحول وزنها الجديد كقوة دفاعية إلى قوة سياسية أيضًا من أجل السلام: لا من خلال الحرب مع إسرائيل، وإنما من خلال الدفع نحو نظام إقليمي يقوم على سيادة الدول، ورفض الاحتلال والعدوان، وإقامة السلام العادل، وفي مقدمته حل القضية الفلسطينية.
لذلك لا أرى أن السؤال الأهم هو: هل ولد «ناتو إسلامي»؟
السؤال الأعمق هو:
هل بدأت المنطقة في صناعة أمنها؟
ومع تحويل القدرة إلى ردع، والردع إلى توازن، والتوازن إلى تفاوض، والتفاوض إلى سلام، فإن اتفاق مكة يمكن أن يكون بداية تحول تاريخي.
لهذا فإن «تحالف الدفاع من أجل السلام» ليس اسمًا لاتفاق مكة بقدر ما هو قوة في حماية السلام.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 841
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 951
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 835
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 815
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 811
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1029
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...