الأحد, تموز/يوليو 12, 2026

All the News That's Fit to Print

خالد محمد الدوس

في زمنٍ طغت فيه التطبيقات الرقمية على تفاصيل حياتنا اليومية، وأصبحت بالتالي الهواتف الذكية امتداداً لأرواحنا قبل أيدينا، برزت معها ظواهر اجتماعية تستدعي التوقف والتأمل.

ولعل من أبرز هذه الظواهر التي تمس جوهر التعايش الإنساني، تلك الرسائل التي تتسلل إلى هواتفنا في ساعات متأخرة من الليل..!! حاملةً معها إزعاجاً لا مبرر له، وكاشفةً عن غيابٍ فادح في الذوق العام والوعي المجتمعي.

إنّ قضية إرسال رسائل الواتساب بعد منتصف الليل ليست مجرد (هفوة تقنية) أو سوء تقدير لضبط الإشعارات، بل هي انعكاسٌ صارخ لأزمة أخلاقية واجتماعية تعكس تدهوراً في القيم التربوية...! فمنذ أن أصبح هذا التطبيق جزءاً لا يتجزأ من نسيج علاقاتنا الاجتماعية والمهنية، تحولت الحدود الفاصلة بين الأوقات الخاصة والأوقات العامة إلى (خطوط رمادية) سهلة الاختراق، ومعها تلاشت مفاهيم احترام الخصوصية وراحة الآخرين.

ما أن يخلد الافراد للنوم ليلا بعد تعب وجهد «وظيفي» طوال اليوم، حتى يفاجأ أحدهم بصوت الإشعار الذي يقطع لحظات الاسترخاء، ليجد رسالة لا تحمل أي طارئ أو ضرورة، بل هي مجرد كلمات عابرة كان يمكن أن ينتظر حتى بزوغ فجر اليوم.. متناسيا أن «الساعة الثانية عشرة» هي وقت الراحة البيولوجية والنفسية وليس لعرض فيديوهات مضحكة، أو مناقشة قضايا عالقة.!!.وهنا يكمن السؤال الجوهري: هل أصبحنا نعيش في مجتمع فقد - بعض أفراده - القدرة على التمييز بين ما هو عاجل وما هو غير عاجل؟ وهل تمكنت التكنولوجيا من طمس معالم الذوق الذي كان سمةً بارزة في ثقافتنا العربية؟

إنّ إزعاج الآخرين في ساعات راحتهم ليس مجرد تصرف فردي يمر دون عواقب، بل هو سلوك يزرع بذور التوتر والضيق في العلاقات الإنسانية. فكم من صداقات تآكلت، وكم من خلافات أسرية نشبت، وكم من مشاعر سلبية تولدت بسبب رسالة وصلت في توقيت غير مناسب، حملت معها طلباً تافهاً، أو إعادة توجيه لمقطع فيديو، أو حتى مجرد «صباح الخير» التي جاءت في غير أوانها..!

وللأسف، فإن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على فئة عمرية معينة، بل اجتاحت جميع الفئات، من المراهقين الذين يعيشون في فضاءاتهم الافتراضية، إلى بعض كبار السن الذين قد لا يدركون خطورة إزعاجهم للآخرين، بل حتى إلى فئة الموظفين (كلا الجنسين) الذين يظنون أن عملهم لا يحتمل الانتظار، متناسين أن راحة الإنسان ليست مجرد رفاهية، بل هي حق أساسي يكفله الدين والعرف والقانون.

إنّ غياب الذوق في استخدام وسائل التواصل ليس مجرد مشكلة تقنية يمكن حلها بكتم الصوت أو وضع الهاتف في وضع الطيران، بل هو أزمة تربية وأخلاق تحتاج إلى معالجة جذرية.

فالذوق العام ليس مهارة مكتسبة من خلال دليل استخدام التطبيق، بل هو انعكاس لتربية متكاملة تغرس في الإنسان احترام خصوصية الآخرين، وتقدير أوقاتهم، واستشعار المسؤولية تجاه راحتهم النفسية والجسدية.

وبالطبع يبقى الحل مرهوناً بإعادة الاعتبار «للذوق العام» كقيمة اجتماعية لا تقل أهمية عن أي قانون أو تشريع.. فالذوق هو الضمير الحي للمجتمع، وهو الحارس الأمين للعلاقات الإنسانية، وهو ما يميز المجتمعات الراقية عن غيرها.

فكيف بنا إذا غابت أبسط مظاهر الأخلاق في التعامل اليومي..؟! وكيف بنا إذا أصبح إزعاج الآخرين في أوقات راحتهم أمراً عادياً لا يستدعي الاستنكار؟

أمام هذه المعضلة، يبرز دور (التوعية) كأداة فعّالة لإعادة صياغة السلوكيات الرقمية. فالمدارس والأسر ووسائل الإعلام مطالبة بتكريس مفهوم «الآداب الرقمية» كجزء من المناهج التربوية، بحيث يتعلم النشء منذ الصغر أن استخدام التكنولوجيا مسؤولية، وأن الحرية التي تتيحها وسائل التواصل تقترن بحدود أخلاقية لا يمكن تجاوزها.

كما أن على منصات التواصل نفسها، وفي مقدمتها (تطبيق الواتساب)، أن تطّور أدوات تحفز المستخدمين على «احترام أوقات الآخرين»، سواء من خلال تذكيرات تظهر عند محاولة الإرسال في ساعات متأخرة، أو من خلال خيارات تتيح جدولة الرسائل لتصل في أوقات مناسبة، مما يقلل من الإزعاج غير المقصود.

ولكن (التغيير الحقيقي).. يبدأ من «داخل كل فرد»، حين يستشعر أن احترام وقت الآخرين هو احترام لذاته أولاً، وأن من لا يقدّر راحة الناس لا يستحق أن يُقدّر. فالمجتمع كالجسد الواحد، كما وصفنا النبي صلى الله وعليه وسلم، في قوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...