الزلفي بين الذاكرة والتنمية: مجتمع لا يغيب عن النداء - ناصر بن محمد الحميدي
ناصر بن محمد الحميدي
عندما نطالع تاريخ محافظة الزلفي، لا نقرأ صفحاتٍ من الوقائع فحسب، بل نلج وجدانًا جمعيًا صاغته قيمة سامية تُسمّى «الفزعة»؛ تلك الخصلة التي لم تكن يومًا شعارًا عابرًا، بل كانت فعلًا حيًا نابضًا، يسري في العروق كما يسري الماء في جذوع النخل. فما إن يُطلق النداء، حتى تنهض الهمم، وتلتئم الصفوف، وتستجيب الرجال استجابة الفطرة قبل الواجب؛ لإنقاذ من هدامٍ داهم، أو لحفر بئرٍ يحيي الأرض والناس، أو لردّ الجراد عن مزروعاتٍ هي زاد العيش وعماد الاستقرار.
مشاهد لم تُحكَ بوصفها أساطير، بل تناقلتها الأجيال كحقائق عاشتْها المواقف العصيبة، وشهدتها العقود شاهدةً على معدنٍ لا يصدأ.
ومع مطالع النهضة الحضارية، لم تخفت تلك الروح، بل أعادت تشكيل ذاتها بلغة العصر وأدواته؛ فواصل أبناء الزلفي مسيرتهم بذات العزم، وساهموا في شق الطريق عبر النفود، ذلك الامتداد الرملي الصعب، ليقرّبوا المسافة بين الزلفي والقصيم، في عملٍ لم يكن مجرد مشروعٍ هندسي، بل كان إعلانًا صريحًا عن إرادة جماعية تؤمن بأن تذليل الجغرافيا هو أول طريق الازدهار، وأن المبادرة حين تسكن النفوس تتحول إلى منجزٍ باقٍ.
ولم تكن إسهامات أهالي الزلفي حبيسة حدود محافظتهم، بل تجاوزتها لتسجّل حضورًا وطنيًا مشرّفًا في واحدة من أعظم لحظات التاريخ السعودي؛ إذ وقفوا إلى جانب الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن -رحمه الله- مشاركين في نقل السلاح والغذاء، وباذلين الأرواح حين اقتضى الواجب، في ملحمة توحيد الوطن. ومن هنا، فإن ما نراه اليوم من مواقف ومبادرات، ليس طارئًا ولا مستغربًا، بل هو امتداد طبيعي لذلك الإرث الوطني المتجذر، الذي توارثته الأجيال كما يتوارثون القيم.
وفي الزمن الحاضر، تتجلى هذه الروح بوضوحٍ أكبر في الحراك المجتمعي المتسع، حيث تحتضن محافظة الزلفي أكثر من خمسٍ وثلاثين جمعية تطوعية، تشكّل في مجموعها لوحةً نابضة من العمل المنظم، والشراكة الواعية، والتكامل مع القيادة الرشيدة، بما يعزز الدور المجتمعي ويمنحه فاعلية في مختلف المجالات والمناشط.
وضمن مشاريع المملكة الطموحة لعام 2025، جاء إعلان إنشاء محطة قطار الزلفي لتلتحق بشبكة قطار الشمال، في خطوة تحمل دلالات أعمق من كونها مشروع نقل؛ إذ تعكس وعي رجال الأعمال وأفراد المجتمع بأهمية الاستثمار المسؤول، والعمل التطوعي المنظم، واستعدادهم لاسترخاص الثمين وبذله، من أجل تحويل الحلم إلى واقعٍ معاش، والطموح إلى بنية تحتية تصنع المستقبل.
وقد أُدرج مشروع محطة قطار الزلفي بعد استكمال الإجراءات الإدارية وتوقيع عقد إنشائه كشراكة استثمارية تعاونية بين الشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار) والجمعية التعاونية للخدمات اللوجستية بمنطقة الرياض، وفق نظام البناء والتشغيل ثم التحويل (BOT)، ليغدو أحد المشاريع التنموية الاستراتيجية التي تعزز الربط بشبكة النقل الوطنية، وتمهّد لمشاريع لوجستية واعدة.
ولا يقتصر أثر هذا المشروع على العائد الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليطال البعد الاجتماعي والإنساني، من خلال توطين الوظائف، وتمكين الشباب، وخلق فرص عمل مستدامة، بما يجعل منه نموذجًا حيًا للاقتصاد الاجتماعي، الذي تتلاقى فيه التنمية مع الاستدامة، والطموح مع المسؤولية.
وهكذا تواصل الزلفي مسيرتها الواثقة.. مجتمعٌ لا يكتفي بحفظ إرثه، بل يحسن استثماره، ينبض بالحياة من الجماميل إلى محطة القطار، ومن الفزعة الأولى إلى تنميةٍ لا تتوقف.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 671
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 779
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 649
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 643
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 638
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 844
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...