الشراكة الحرة أم الشراكة المقيدة بين التعليم والقطاع الخاص؟ - د.شريف بن محمد الأتربي
د.شريف بن محمد الأتربي
لم يعد دخول القطاع الخاص إلى التعليم توجهًا مستقبليًا، بل أصبح واقعًا يتوسع في عدد من الأنظمة التعليمية حول العالم، كما أصبح جزءًا من مسار تطوير التعليم في المملكة العربية السعودية.
ومع صدور نظام التعليم العام الجديد، وما تضمنه من توجهات تتيح إسناد تشغيل المدارس الحكومية إلى القطاع الخاص وغير الربحي، وإتاحة نماذج تعليمية تختلف في محتواها أو طريقة إدارتها عن النماذج التقليدية، فإن النقاش حول الشراكة بين التعليم والقطاع الخاص لم يعد نقاشًا نظريًا.
لقد انتقلنا من مرحلة السؤال: هل نريد القطاع الخاص في التعليم؟
إلى أسئلة أكثر أهمية: أي شراكة نريد؟ ما حدود استقلالية الشريك؟ ما الذي يجب أن يبقى بيد الوزارة؟ ومن هو الشريك الذي نسمح له بالدخول إلى العملية التعليمية؟ وهل يكون اختيار الشريك وفق أقل سعر، أم وفق أعلى قيمة تعليمية؟ ومن يقيس أداءه؟ وماذا يحدث إذا أخفق؟
هذه الأسئلة يجب أن تجد إجابات واضحة قبل أن تبدأ عملية التوسع؛ لأن التعليم ليس خدمة تجارية عادية، وأي خطأ في تصميم الشراكة قد لا تظهر تكلفته في السنة الأولى أو الثانية، وإنما بعد سنوات، عندما تكون آثار القرار قد وصلت إلى جيل كامل.
وهنا تصبح التجارب الدولية مهمة؛ ليس لكي نقلدها، وإنما لكي نتعلم منها ما الذي نجح، وما الذي تعثر، ولماذا.
الشراكة الحرة أم الشراكة المقيدة؟
يمكن النظر إلى الشراكة بين التعليم والقطاع الخاص من خلال طرفين على خط متصل.
في الطرف الأول توجد الشراكة الحرة، حيث يحصل الشريك الخاص على مساحة واسعة من الاستقلالية في الإدارة والتشغيل واتخاذ القرارات، مع خضوعه لمجموعة من النتائج والمتطلبات التي تحددها الجهة التعليمية.
وفي الطرف الآخر توجد الشراكة المقيدة، حيث تحتفظ الوزارة بمساحة واسعة من القرار، ويعمل القطاع الخاص في إطار تفصيلي تحدده الجهة الحكومية.
لكل نموذج مزاياه ومخاطره
الشراكة الحرة تمنح القطاع الخاص القدرة على الحركة بسرعة، واتخاذ القرار بعيدًا عن البيروقراطية، وتجربة نماذج جديدة، والاستفادة من أدوات الإدارة الحديثة، وتوظيف الموارد بكفاءة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحرية الإدارية إلى حرية تعليمية غير منضبطة. فالقطاع الخاص، مهما بلغت خبرته وكفاءته، يدخل هنا مجالًا له أهداف وطنية تتجاوز الربحية والكفاءة التشغيلية. والتعليم مشروع وطني يمس الإنسان قبل المؤسسة، ويصنع شخصية الأجيال وقيمها ومعارفها ومهاراتها.
أما الشراكة المقيدة، فميزتها أنها تحافظ بدرجة أكبر على وحدة السياسة التعليمية والمعايير الوطنية، وتحمي حقوق الطلبة، لكنها قد تحول القطاع الخاص إلى مجرد منفذ لتعليمات الوزارة، فتفقد الشراكة أحد أهم أسباب وجودها، المرونة والابتكار والخبرة التشغيلية.
ولهذا لا أرى أن السؤال الصحيح هو: هل نريد شراكة حرة أم شراكة مقيدة؟
بل: ما المجالات التي يجب أن تكون حرة، وما المجالات التي يجب أن تظل مقيدة بالسياسة التعليمية الوطنية؟
وهنا يظهر نموذج ثالث أكثر توازنًا:
الحرية داخل الإطار
أن تحدد الدولة: فلسفة التعليم - السياسة التعليمية الوطنية - المعايير والمخرجات المطلوبة - حقوق الطالب - الحد الأدنى للجودة - القيم والمبادئ التي يجب حمايتها - مؤشرات الأداء والمساءلة.
ثم تمنح الشريك مساحة واسعة للإجابة عن السؤال:
كيف سنحقق ذلك؟ بمعنى آخر: الدولة تحدد الاتجاه والمعايير والنتائج، والشريك يبتكر في الوسائل والتنفيذ.
لكن هل هذا النموذج قادر فعلًا على تحقيق النتائج؟ التجارب العالمية تقدم لنا إجابات مهمة.
النموذج الأمريكي: عندما
لا تكفي الاستقلالية وحدها
من أبرز النماذج العالمية تجربة Charter Schools في الولايات المتحدة. وهي مدارس عامة ممولة من القطاع العام، لكنها تحصل على قدر أكبر من الاستقلالية التشغيلية والإدارية مقابل التزامها بأهداف تعليمية محددة ومساءلة واضحة. والفكرة في جوهرها جذابة: امنح المدرسة مساحة أكبر من الحرية، واترك لها القدرة على الابتكار، ثم حاسبها على النتائج. لكن التجربة الأمريكية قدمت درسًا أكثر تعقيدًا.
فالدراسات الواسعة التي أجراها مركز أبحاث CREDO في جامعة ستانفورد أظهرت أن نتائج مدارس الـ Charter ليست متساوية؛ فهناك مدارس تحقق نتائج أفضل من المدارس الحكومية التقليدية، وأخرى تحقق نتائج مماثلة، وأخرى تحقق نتائج أقل. أي أن الاستقلالية في حد ذاتها لا تصنع الجودة. الفرق الحقيقي يرتبط بجودة المشغل، والقيادة التعليمية، والقدرة على استخدام الاستقلالية بصورة صحيحة، ووضوح معايير المساءلة.
وهنا الدرس الذي يجب أن ننتبه إليه:
منح الاستقلالية لا ينتج الجودة تلقائيًا؛ الذي يصنع الفرق هو من مُنحت له الاستقلالية، وما الإطار الذي يعمل داخله، وكيف تتم مساءلته. وهذا يعني أن الشراكة السعودية لا يمكن أن تبدأ من سؤال: كم مدرسة سنسندها؟ بل من سؤال: من هو الشريك الذي سنمنحه هذه الاستقلالية؟
النموذج الإنجليزي: ليست القضية حكوميًا أم غير حكومي
التجربة الإنجليزية (Academies) تقدم درسًا مختلفًا. فالمدارس ممولة من الدولة، لكنها تدار من خلال صناديق غير ربحية تتمتع باستقلالية أكبر في بعض جوانب الإدارة والتشغيل. وهنا تظهر نقطة مهمة:
وجود جهة غير حكومية في إدارة المدرسة لا يعني بالضرورة خصخصة التعليم.
لكن التجربة البريطانية تكشف أيضًا أن الانتقال إلى نموذج الأكاديميات ليس ضمانًا تلقائيًا لتحسن الأداء. فالفروق في الأداء بين مجموعات الأكاديميات نفسها يمكن أن تكون كبيرة، كما أن نجاح المدرسة يرتبط بصورة وثيقة بجودة الجهة المشغلة، والقيادة، والقدرة على التدخل والتحسين.
وهنا نصل إلى سؤال أكثر أهمية من السؤال التقليدي: هل المشغل حكومي أم غير حكومي؟ السؤال الأهم هو: أي مشغل تحديدًا؟ وهذا يقودنا مباشرة إلى قضية اختيار الشريك في السعودية.
السويد: عندما تتحول الحوافز إلى سلوك
التجربة السويدية تقدم درسًا مختلفًا. فقد شهد النظام التعليمي السويدي توسعًا في المدارس المستقلة، مع منح الأسر قدرًا أكبر من حرية الاختيار، ووجود تمويل مرتبط بالطالب. الفكرة بدت في بدايتها منطقية: منافسة أكبر، واختيار أوسع، وحوافز تدفع المدارس إلى تحسين أدائها.
لكن مع الوقت ظهرت نقاشات واسعة حول عدد من الآثار الجانبية، من بينها التفاوت بين المدارس، وبعض جوانب التضخم في الدرجات، ومشكلات مرتبطة بالانتقاء الاجتماعي، إضافة إلى تعثر بعض المجموعات التعليمية الخاصة. وهنا الدرس ليس أن المدارس الخاصة سيئة. ولا أن المنافسة خطأ. بل الدرس أكثر عمقًا:
كل ثغرة في تصميم النظام يمكن أن تتحول مع الوقت إلى سلوك مؤسسي. إذا كان التمويل يكافئ عدد الطلاب فقط، فسوف يصبح جذب الطلاب هدفًا. وإذا كانت الحوافز مرتبطة بدرجات الطلاب فقط، فقد يصبح رفع الدرجات هدفًا. وإذا لم توجد ضوابط كافية على الانتقاء، فقد يصبح اختيار الطالب الأسهل جزءًا من السلوك المؤسسي.
إذن: لا يكفي أن نصمم الشراكة؛ علينا أن نصمم الحوافز التي تحكم سلوك الشريك.
تشيلي: عندما تحتاج الدولة إلى إصلاح التصميم
تجربة تشيلي مع نظام القسائم التعليمية تقدم درسًا أكثر وضوحًا. فقد اعتمدت تشيلي لسنوات طويلة على نموذج يمنح الأسر حرية اختيار المدارس، مع تمويل مرتبط بعدد الطلاب، وسمح النظام بوجود مدارس خاصة تستقبل التمويل العام.
لكن مع مرور الوقت ظهرت مشكلات مرتبطة بالرسوم الإضافية، والانتقائية في قبول الطلاب، والتفاوت بين المدارس، والجدل حول الربحية في التعليم. ولهذا تدخل المشرع لاحقًا من خلال إصلاحات مهمة، خصوصًا في عام 2015، للحد من بعض الآثار التي نتجت عن تصميم النظام.
والدرس هنا مهم جدًا: النظام الذي لا يضع حدودًا واضحة منذ البداية قد يحتاج إلى سنوات من الإصلاح حتى يصحح آثاره. ولهذا فإن الحكمة ليست في انتظار ظهور المشكلة ثم علاجها. الحكمة في تصميم الشراكة بحيث تمنع المشكلة قبل ظهورها.
ماذا تقول لنا التجارب الأربع؟
إذا وضعنا التجارب الأمريكية والإنجليزية والسويدية والتشيلية أمامنا، فإننا لا نجد نموذجًا واحدًا يمكن نسخه. لكننا نجد مجموعة من الدروس شديدة الوضوح:
أمريكا تقول لنا: الاستقلالية لا تكفي دون مشغل قوي ومساءلة حقيقية.
إنجلترا تقول لنا: ليس المهم أن يكون المشغل حكوميًا أو غير حكومي، وإنما مدى كفاءته وقدرته على تحسين المدرسة.
السويد تقول لنا: الحوافز الخاطئة قد تغير سلوك المؤسسات، حتى لو كانت نيات النظام جيدة.
تشيلي تقول لنا: الثغرات في تصميم النظام قد تحتاج لاحقًا إلى تدخل تشريعي مكلف لتصحيحها.
ومن هنا يمكن استخلاص قاعدة واحدة: نجاح الشراكة لا تحدده درجة الحرية وحدها، ولا طبيعة ملكية الشريك وحدها، وإنما تحدده جودة التصميم الكامل لمنظومة الشراكة.
وهذا يقودنا إلى السؤال السعودي: من هو الشريك الذي نختاره؟ ربما يكون هذا السؤال أهم من سؤال: هل الشراكة حرة أم مقيدة؟ فقد يكون لدينا أفضل نموذج للشراكة في العالم، لكنه يفشل إذا اخترنا الشريك الخطأ. وهنا يجب الحذر من خطأ محتمل:
التعامل مع اختيار الشريك التعليمي بمنطق المناقصات التجارية التقليدية.
في الأعمال التجارية قد يكون السعر عنصرًا حاسمًا.
لكن هل يمكن أن نقول إن الشركة التي تقدم أقل سعر هي الأفضل لإدارة مدرسة؟ بالتأكيد لا. لأن تكلفة التعليم لا تقاس فقط بما ندفعه للشريك، وإنما بما نحصل عليه منه.
من «الأقل سعرًا» إلى «الأعلى قيمة»
إذا كان لدينا شريكان: الأول يقدم تكلفة أقل، لكنه لا يمتلك سجلًا قويًا في النتائج التعليمية.
والثاني أعلى تكلفة، لكنه يمتلك خبرة مثبتة، ونظامًا قويًا لتطوير المعلمين، وقدرة على استخدام البيانات، وسجلًا في تحسين نتائج الطلاب.
فمن هو الأرخص؟
قد يكون الأول أرخص في العقد.
لكن الثاني قد يكون أقل تكلفة على الدولة والمجتمع على المدى الطويل إذا كان ينتج تعليمًا أفضل. ولهذا يجب أن ننتقل من مفهوم: Cost ، إلى: Value for Money أي: القيمة التعليمية مقابل التكلفة.
وهذا فرق جوهري. فالشراكة ليست عملية شراء خدمة. إنها عملية استثمار في رأس المال البشري. لا يكفي اختيار الشريك.. يجب تصميم الحوافز. قد يكون الشريك ربحياً أو غير ربحي، وهذا في حد ذاته لا يحدد جودة التعليم الذي سيقدمه.
السؤال الأهم: ما الذي يكافئه العقد؟
إذا كان العقد يكافئ الشريك على عدد الطلاب، فقد يصبح التوسع أهم من الجودة. وإذا كان يكافئه على خفض التكلفة، فقد تتحول الكفاءة إلى تقليص للنفقات على حساب الجودة. وإذا كان يكافئه على الدرجات فقط، فقد يصبح رفع الدرجات هدفًا بحد ذاته.
أما إذا صُممت الحوافز حول: تحسن تعلم الطالب + جودة التدريس + نمو المعلمين + العدالة + الاستدامة + تجربة المستفيد. فإن سلوك الشريك سيتجه نحو القيمة التعليمية الحقيقية. ولهذا يجب أن يكون السؤال: ماذا سيحصل الطالب والمجتمع مقابل ما ندفعه؟ وليس فقط: كم سندفع؟
رخصة الشريك التعليمي
إذا كنا جادين في بناء شراكة تعليمية حقيقية، فأرى أن من المفيد التفكير في مفهوم: «رخصة الشريك التعليمي»، بحيث لا يكفي أن تكون الشركة قوية ماليًا، أو ناجحة تجاريًا، أو قادرة على تشغيل عدد كبير من المدارس، بل يجب أن تثبت جدارتها التعليمية.
ويمكن أن تمر الرحلة عبر: عدة مراحل تبدأ من: تأهيل، تقييم، تشغيل تجريبي محدود، قياس مستقل، اعتماد، توسع مشروط.. ويجب أن تشمل معايير التأهيل: سجلًا موثقًا في نتائج التعلم - قدرة على استقطاب المعلمين وتطويرهم والاحتفاظ بهم - قيادة تربوية حقيقية - حوكمة وشفافية مالية - استدامة مالية وتشغيلية - قدرة على إدارة التغيير - قدرة مثبتة على الابتكار - نظامًا واضحًا لقياس الأثر.
والأهم: ألا يُمنح أي شريك عددًا كبيرًا من المدارس قبل ظهور نتائج دفعته الأولى. فالتوسع يجب أن يكون نتيجة للنجاح، وليس بديلًا عن إثباته.
6 أسئلة يجب أن تُحسم قبل توقيع أول عقد
أولًا: ما الشكل القانوني للشريك؟ هل يكون ربحياً؟ أم غير ربحي؟ وهل يسمح له بتوزيع الأرباح؟ أم يلزم بإعادة استثمار جزء من الفائض داخل المدرسة؟
هذه ليست قضية محاسبية. إنها قضية تحدد الحوافز التي ستحكم سلوك الشريك لسنوات.
ثانيًا: من يوظف المعلم؟ هذا من أصعب الأسئلة. هل ينتقل المعلم إلى الشريك؟ أم يبقى موظفًا حكوميًا ويُدار مهنيًا من الشريك؟ ومن يقيم أداءه؟ ومن يملك قرار نقله؟ وماذا يحدث لمن لا يرغب في الانتقال؟ هذه القضية لا يمكن أن تترك لعقد منفرد. المعلم ليس بندًا تشغيليًا في العقد، بل هو جوهر العملية التعليمية.
ثالثًا: كيف يُدفع للشريك؟ هل يكون الدفع: مبلغًا ثابتًا؟ أم: تمويلًا لكل طالب؟ أم: دفعًا مرتبطًا بالنتائج؟
لكل نموذج سلوك مختلف. ولهذا يجب أن تكون صيغة التمويل مصممة بحيث لا تكافئ النمو على حساب الجودة، ولا تعاقب المدارس التي تعمل في بيئات أكثر تحديًا. والأهم: يجب أن يُقاس الشريك بالتقدم الذي أحدثه، لا بالمستوى الذي بدأ منه فقط.
رابعًا: أي المدارس تُسند؟ إذا أُسندت أفضل المدارس فقط، فقد تظهر نتائج جيدة ليس بسبب الشراكة، وإنما بسبب خصائص المدارس نفسها. ولهذا يجب أن يكون الاختيار مبنيًا على تصميم تجريبي واضح. تُحدد المدارس، ويُبنى لها خط أساس قبل بدء الشراكة، وتوجد مدارس مقارنة مماثلة لم تدخل الشراكة. وبذلك نستطيع الإجابة عن السؤال الحقيقي: هل تحسن أداء المدرسة بسبب الشراكة؟ أم أن التحسن كان سيحدث على أي حال؟
خامسًا: من يقيس ومن يعلن؟
الشريك لا يمكن أن يكون هو الحكم على نجاح نفسه. يجب أن يكون القياس مستقلًا، وفق معايير وطنية واضحة، وبمنهجية واحدة تسمح بالمقارنة بين المدارس المسندة وغير المسندة. فالشفافية ليست مجرد قيمة أخلاقية، إنها أداة رقابة.
سادسًا: ماذا يحدث عند الإخفاق؟
يجب ألا ننتظر حتى يفشل الشريك لكي نكتشف أننا لا نملك خطة للتعامل مع فشله.
يجب أن يتضمن النموذج:
مؤشرات أداء، أجراس إنذار، خطة تصحيح، تدخل، إعادة تقييم، استمرار أو تغيير أو إنهاء مع وجود خطة واضحة تضمن استمرارية التعليم.
فالمدرسة ليست شركة عادية يمكن إغلاقها إذا تعثرت، ثم يبحث العميل عن بديل. الطالب لا يمكن أن يكون هو من يدفع ثمن فشل الشريك.
ثلاثة مستويات للقرار:
ماذا تحتفظ به الوزارة؟ إذا أردنا فعلًا تطبيق مفهوم الحرية داخل الإطار، فعلينا أن نحدد منذ البداية حدود القرار.
المستوى الأول: ما يجب أن يبقى وطنيًا، مثل: فلسفة التعليم - السياسات التعليمية الوطنية - المعايير الوطنية للمخرجات - حقوق الطالب - سلامة البيئة التعليمية - الإطار العام للمناهج والتعلم - معايير المعلم والقيادة التعليمية - العدالة وتكافؤ الفرص - البيانات التعليمية وحوكمتها - القياس والمساءلة.
هذه ليست تفاصيل تشغيلية. هذه هي السيادة التعليمية.
المستوى الثاني: ما يمكن أن يكون مشتركًا، مثل: التطوير المهني للمعلمين - خطط التحسين المدرسي - استخدام البيانات - بعض البرامج التعليمية والإثرائية - تطوير تجربة الطالب - بعض جوانب إدارة الموارد البشرية.. هنا تتقاطع مسؤولية الوزارة مع خبرة الشريك.
المستوى الثالث: ما يمكن أن يمنح فيه الشريك مساحة واسعة، مثل: الإدارة الداخلية - التشغيل - الابتكار التقنية - تنظيم الموارد - البرامج الإثرائية - أساليب التطوير المهني - الشراكات المجتمعية - تصميم تجربة الطالب.
وهنا يجب أن تكون القاعدة واضحة: كل حرية يقابلها هدف، وكل هدف يقابله مؤشر، وكل مؤشر تقابله مساءلة.. لا تجعلوا الشراكة مجرد «تغيير مشغل». قد تدخل شركة لإدارة مجموعة من المدارس، ثم نجد بعد ثلاث سنوات أن: المعلم هو نفسه، والطريقة التعليمية هي نفسها، وتجربة الطالب هي نفسها، والنتائج لم تتغير بصورة جوهرية، لكن اسم الجهة المشغلة تغير.
في هذه الحالة لم نحقق شراكة. لقد حققنا فقط: تغيير المشغل.
والسؤال هنا: لماذا تحملنا تكلفة التغيير إذا لم يتغير الأثر؟ الشراكة الحقيقية تظهر عندما يتغير: الطالب، والمعلم، والمدرسة، والنتائج.
كيف نقيس نجاح الشريك؟
لا ينبغي أن تكون لوحة المؤشرات قائمة فقط على التشغيل. بل يجب أن تشمل:
تحسن تعلم الطالب - جودة التدريس - نمو المعلمين مهنيًا - الحضور والمواظبة - مهارات التفكير وحل المشكلات - رضا الطلبة - رضا أولياء الأمور - رضا المعلمين - الابتكار - الكفاءة التشغيلية - العدالة - القيمة التعليمية مقابل التكلفة.
والأهم: معدل التحسن. فالشريك الذي يبدأ من مستوى متواضع ويحقق تحسنًا مستمرًا قد يكون أكثر قيمة من شريك بدأ من مستوى مرتفع ولم يحقق أي تقدم.
لا تبدأوا بالعقد... ابدأوا بالنموذج. هذه ربما تكون أهم قاعدة في المرحلة المقبلة.
لا ينبغي أن يبدأ الأمر بعقد تشغيل ثم نكتشف بعد ذلك كيف ستعمل الشراكة. بل يجب أن نسير بالعكس:
الرؤية، النموذج، المعايير، اختيار الشريك، التجربة، القياس، التقييم، التوسع، وبذلك يصبح العقد ترجمة للنموذج، وليس وسيلة لاكتشافه.
النموذج الذي أراه أكثر ملاءمة
إذا أردنا استخلاص الدروس من التجارب الأمريكية والإنجليزية والسويدية والتشيلية، ومن خبرة التعليم الأهلي والشراكات القائمة في المملكة، فإنني لا أرى أن النموذج الأنسب هو الشراكة الحرة المطلقة، لا الشراكة المقيدة التي تجعل القطاع الخاص مجرد منفذ.
النموذج الأكثر ملاءمة هو: «شراكة مستقلة داخل إطار وطني» وتقوم على خمسة أضلاع:
وزارة قوية في التنظيم والسياسة.
شريك مستقل في التشغيل والابتكار.
معايير وطنية واضحة.
قياس مستقل للنتائج.
مساءلة مرتبطة بالأثر.
بهذا النموذج لا تتخلى الوزارة عن مسؤوليتها، ولا يفقد القطاع الخاص قدرته على الابتكار. بل يحصل كل طرف على المساحة التي يستطيع أن يضيف فيها أكبر قيمة.
وأخيرًا...
الشراكة مع القطاع الخاص يمكن أن تكون واحدة من أهم فرص تطوير التعليم في المملكة. لكن نجاحها لن يتحدد بعدد الشركات التي تدخل قطاع التعليم، ولا بعدد المدارس التي تنتقل إلى التشغيل الخاص، ولا بحجم الاستثمارات التي يتم جذبها. بل سيتحدد بسؤال واحد: هل أصبح الطالب أفضل؟
إذا كانت الإجابة نعم، فالشراكة تحقق غايتها.
وإذا لم يكن هناك أثر حقيقي على الطالب والمعلم والمدرسة، فعلينا أن نعيد النظر، مهما كانت الأرقام المالية جميلة. فالتعليم ليس سوقًا عاديًا. والطالب ليس عميلًا بالمعنى التجاري. والمدرسة ليست منشأة تشغيلية فقط. والشريك الخاص ليس مقاولًا.
إنه شريك في صناعة الإنسان.
ولهذا يجب أن نكون أكثر دقة في اختيار من يدخل هذه الشراكة، وأكثر وضوحًا في تحديد ما نسمح له بإدارته، وأكثر صرامة في قياس ما يحققه.
فالتجارب العالمية لا تقول لنا إن نموذجًا واحدًا هو الأفضل. لكنها تقول لنا شيئًا أهم: الاستقلالية دون مساءلة قد تتحول إلى مشكلة، والمساءلة دون استقلالية قد تقتل الابتكار، والتمويل دون تصميم صحيح للحوافز قد يغير سلوك المؤسسات، واختيار الشريك دون معايير تعليمية قد يجعلنا ندفع ثمنًا طويلًا لقرار قصير الأجل.
ولهذا فإن اللحظة الحالية مهمة. فالنظام قد وضع الإطار، والمرحلة القادمة ستضع التفاصيل. وما ستتضمنه اللوائح التنفيذية من قواعد لاختيار الشريك، وحدود استقلاليته، وآليات تمويله، ومؤشرات قياسه، وآليات مساءلته، وخطط التعامل مع إخفاقه، سيكون أهم من مجرد النص على مبدأ الشراكة نفسه.
إذا حُسمت هذه التفاصيل قبل التوسع، فقد نصنع نموذجًا سعوديًا متميزًا في الشراكة التعليمية؛ نموذجًا يستفيد من مرونة القطاع الخاص دون أن يفرط في السيادة التعليمية للدولة. أما إذا بدأنا بالتوسع قبل أن نحدد قواعد الضبط، فقد نكتشف بعد سنوات أن المشكلة لم تكن في الشريك، ولا في الوزارة، ولا في القطاع الخاص.. بل في أننا دخلنا الشراكة دون أن نحدد منذ البداية: ماذا تعني الشراكة؟
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 835
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 944
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 826
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 809
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 803
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1019
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...