الخميس, تموز/يوليو 16, 2026

All the News That's Fit to Print

مهدي العبار العنزي

منذ أن كانت العرب تُهنئ قبائلها ببروز شاعر، والقصيدة لم تكن يوماً مجرد ترفٍ لفظي أو تسلية مجالس، بل هي ديوان الموقف، وصوت الحكمة، وسياج الوطن. وفي زمن التحديات المتسارعة والمستجدات التي نعيشها اليوم، ومع تفاقم بعض الظواهر والطروحات الدخيلة في الفضاء الرقمي، يعود للشاعر دوره المحوري والريادي ليس فقط كصاحب وزن وقافية، بل كجنديٍّ مرابط على ثغور الوعي، وموجّهٍ للبوصلة الاجتماعية والوطنية.

إن الكلمة أمانة، وحين تضطرب الأمواج، يتضح أن الشاعر الحقيقي لا يقل شأناً عن الجندي المرابط في ميادين الشرف؛ فكلاهما يدافع عن حياض الأمة، أحدهما بحد السلاح، والآخر بحد الكلمة الصادقة التي تحمي العقول، وتصون القيم، وترأب الصدع.

جنديٌّ بالحق وشاحذٌ للهمم

يقف الشاعر اليوم في خندق الحق، مسخراً موهبته لبيان الحقائق ودحض الأباطيل. وفي ميادين العزة والشرف، يتحول الشاعر إلى قوة معنوية ضاربة يقف بها خلف جنودنا البواسل وحماة العقيدة والوطن. القصيدة الحماسية الصادقة تعادل كتيبة في أرض المعركة؛ تنبض بالفخر، وتذكّر بالحق، وتثبّت الأقدام، وتخلد تضحيات المرابطين والشهداء في ملاحم يقهر بها العدو ويفخر بها الوطن، ليعلم الجميع أن وراء هذا الأمن رجالاً نذروا أنفسهم لله ثم للمليك والوطن.

الدفاع عن القيم والأصالة

في عصر الانفتاح الرقمي وعولمة الأفكار، تبرز الحاجة ماسة إلى «حراس الموروث». والشاعر هو المؤتمن التاريخي على إرث الآباء والأجداد؛ يعيد إحياء شيم المروءة، والكرم، والشهامة، والفزعة وإغاثة الملهوف وحقوق الجار وبر الوالدين واحترام الرموز، ومن خلال موهبته يغرس في نفوس الأجيال الجديدة قيم الانتماء والاعتزاز بهويتها العريقة. القصيدة هنا اذا كانت فصيحة أو شعبية وتصبح حصناً اجتماعياً منيعاً يمنع ذوبان الهوية أو تأثرها بالظواهر الهابطة.

منارة التلاحم والتعاضد والمحبة

إن قوة أي وطن تكمن في تلاحم صفه الداخلي. والشاعر الواعي هو من يقود مجتمعه نحو وحدة الكلمة والالتفاف حول القيادة وولاة الأمر -أيدهم الله-. وحين تطل النعرات الجاهلية أفكار الفرِقة برأسها، يطلق الشاعر قصائد الألفة والمحبة، مذكّراً بأن قوتنا في اجتماعنا، وأن التعاضد هو السبيل لتجاوز كل عاصفة. يكون الشاعر هنا مصلحاً يداوي القلوب بالقول الحسن، جاعلاً من منبره معول بناء لا هدم.

صون المشاعر والترفع عن التطاول

إن الجمال والسمو هما جوهر الشعر الأصيل، والشاعر الرزين هو من يحترم مشاعر الآخرين، فلا يهمز، ولا يلمز، ولا يقع في فخ الهجاء المقيت أو التنقص من الأفراد والأسر والقبائل إو إثارة النعرات وليعلم كل الشعراء وعلى مختلف مستوياتهم ان التعصب والتطاول لا يبني مجداً بل يوغر الصدور، والشاعر الحقيقي يترفع بقصائده عن المهاترات الرقمية، ويجعل من احترامه لنفسه ولمجتمعه سداً يمنع انزلاق الخطاب نحو البذاءة والفرقة، مستنداً إلى التوجيه الرباني الكريم: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}.

الرزانة السياسية وعدم التطاول على الدول

وامتداداً لهذا الوعي، يدرك الشاعر أن السياسة والعلاقات الدولية لها رجالها وقنواتها الرسمية، وأن إقحام الشعر في الإساءة للدول الأخرى أو رموزها وشعوبها هو منزلق خطير يضر بمصالح الوطن قبل كل شيء. الدفاع عن الوطن والذود عن حياضه بالقصيد هو شرف وواجب، لكنه يُصاغ بالفخر بالمنجزات وتبيان الحق بوعي وثقة، دون الحاجة للهبوط إلى مستنقع الشتم والسب. الشاعر هو سفير غير رسمي لثقافة بلاده ورزانة شعبه، والترفع عن الإساءة للآخرين هو دلالة على قوة الموقف وعمق الحكمة السياسية والاجتماعية التي يستلهمها الشاعر من قيادته.

خاتمة

إن أمانة الكلمة تفوق في ثقلها عذوبة القافية. وحين تبدأ بعض الأمور بالتفاقم أو الخروج عن جادة الصواب، فإن الحكمة تستوجب من فرسان الكلمة وكبار الشعراء وأهل الرأي أن يشهروا قصائدهم بيارقَ هدى، ورسائل ألفة، وسهاماً في وجه من يحاول العبث بأمن هذا المجتمع أو كرامة أهله أو علاقاته بالآخرين. سيظل الشعر ديوان العرب، وسيبقى الشاعر جندياً يحمي بكلمته وطناً، ويبني بحكمته أمة.. والله من وراء القصد.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...