المعلم في نظام التعليم الجديد.. هل نريد منفذًا للتعليمات أم قائدًا للتعلم؟! - د.شريف بن محمد الأتربي
د.شريف بن محمد الأتربي
يظل المعلم هو الحلقة الأضعف في المنظومة التعليمية، فمع كل تعثر أو إخفاق تشير أصابع الاتهام إليه وتصفه بالتقصير وتوقع عليه كل اللوم، وكأن المطلوب منه أن يدرس ويعلم ويربي ويجيب عن الاختبارات أيضاً بديلاً عن طلابه الذي يعاني كثير منهم من الضعف الدراسي نتيجة غياب الرقابة الأسرية، وضعف المتابعة المدرسية.
ومع اقتراب عودة المعلمين إلى مدارسهم، لا يبدو السؤال الأهم هو: هل المعلم مستعد لبدء عام دراسي جديد؟ فالمعلم اعتاد أن يبدأ عامًا وينهي آخر، ويواجه كل عام مناهج جديدة أو تعليمات جديدة أو أدوات جديدة. السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل تغيرت الصورة التي نريدها للمعلم؟
إذا كان النظام الجديد قد أعاد النظر في موقع الطالب داخل المنظومة التعليمية، فإن ذلك يفرض بالضرورة إعادة النظر في موقع المعلم أيضًا. فلا يمكن أن نطالب الطالب بأن يكون مسؤولًا، ومشاركًا، وقادرًا على الاختيار، ثم نبقي المعلم في موقع المنفذ الذي ينتظر التعليمات ويقيس نجاحه بمدى التزامه بها.
مع ظهور لائحة التعليم العام الجديدة، يمكنا القول أن المعلم لم يعد الطرف المقابل للطالب في العملية التعليمية، وإنما هو شريكه الأول في التعلم.
وهذه ليست مجرد عبارة جميلة؛ لأن العلاقة بين الطالب والمعلم هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كانت التحولات التي يحملها النظام ستصل إلى الفصل أم ستبقى في اللوائح. يمكن أن نغير المناهج والمسارات والأنظمة والمنصات، لكن إذا بقيت العلاقة داخل الفصل كما هي، فسيظل التغيير خارجيًا أكثر منه حقيقيًا.
لقد عانى المعلمون خلال الحقب الماضية من غياب الأدوات والتدريب الداعم لهم داخل وخارج الفصول، وحين تأتي اللائحة لتضعهم على الطريق الصحيح فإنه من الضروري الإشارة على أن المعلم الذي تحتاجه المدرسة اليوم ليس بالضرورة المعلم الذي يعرف أكبر قدر من كل شيء حتى لو كانت المعلومات نفسها، فقد أصبحت متاحة للطالب أو لأي باحث عنها في كل مكان. القيمة الحقيقية للمعلم أصبحت في قدرته على أن يجعل الطالب يتعلم؛ أن يحول المعلومة إلى فهم، والفهم إلى تطبيق، والتطبيق إلى مهارة، والمهارة إلى قدرة يستخدمها الطالب في حياته.
وهنا تتغير وظيفة المعلم. لم يعد السؤال: هل شرح المعلم الدرس؟ وإنما: هل تعلم الطالب؟ وهذه نقلة تبدو بسيطة، لكنها تغير طريقة تفكير المعلم في الحصة كلها. فقد يشرح المعلم درسًا كاملًا ولا يحدث تعلم حقيقي، وقد يقضي جزءًا من الحصة في نقاش أو تجربة أو مشروع، لكنه يحقق تعلمًا أعمق بكثير.
ولذلك فإن المعلم الذي نحتاجه ليس من يستطيع أن «ينهي المنهج» فقط، وإنما من يستطيع أن يعرف متى تعلم الطالب، ومتى لم يتعلم، ولماذا لم يتعلم، وماذا يحتاج لكي يتعلم بطريقة أفضل.
وهنا تظهر قضية الفروق الفردية. فالطلاب الذين يدخلون الفصل ليسوا متشابهين في قدراتهم ولا في ميولهم ولا في سرعتهم في التعلم. وإذا كان النظام الجديد يفتح المجال أمام مسارات أكثر تنوعًا، فإن البداية الحقيقية لهذا التنوع يجب أن تكون داخل الفصل نفسه. المعلم الذي يرى جميع طلابه بالطريقة نفسها لن يستطيع أن يقدم لهم تعليمًا يستجيب لاختلافهم.
وهنا أقترح أن ألا يترك للمعلم وحده تقييم أداء طلابه، بل لابد أن تكون هناك معايير محددة، ومحكات يخضع لها الطالب حتى يوضع في المستوى التعليمي المناسب له، وكذلك أدعو ألا يترك للمعلم وحده تحديد المعرفة والمهارات التي يجب أن تعطى للطالب حسب مستواه، بل ينبغي أن تكون الكتب الدراسية - كما سبق واشرت في مقال سابق- مبنية بطريقة تقنية تسمح باستكشاف الطالب وبناء نموذج تعلم متفرد له.
قد يكون في الفصل طالب يحتاج إلى مزيد من الدعم، وآخر يحتاج إلى تحدٍ أكبر، وثالث يمتلك موهبة لم تظهر في الاختبار، ورابع يحتاج إلى طريقة مختلفة لفهم الفكرة. والمعلم المحترف ليس من يقدم الدرس بالطريقة نفسها للجميع، وإنما من يستطيع أن يغير أدواته عندما تتغير احتياجات طلابه.
وهنا يصبح اكتشاف الموهبة جزءًا من عمل المعلم، وليس مهمة جهة أخرى فقط. فقد يرى المعلم في سؤال الطالب ما لا تراه ورقة الاختبار، وقد يكتشف في مشروع بسيط قدرة على الابتكار، أو في طريقة تفكير الطالب استعدادًا لمجال لم يكن ظاهرًا في درجاته. ولذلك فإن المعلم الذي يعرف طلابه جيدًا يستطيع أن يكون أول من يكتشف موهبة قد تغير مستقبل أحدهم.
لكننا نحتاج أيضًا إلى إعادة تعريف الانضباط الصفي. فالمعلم الذي يعتقد أن الفصل الناجح هو الفصل الصامت قد يجد نفسه في تعارض مع أساليب التعلم التي تقوم على النقاش، والعمل الجماعي، والمشروعات، والتجربة. قد يتحرك الطلاب، ويتحدثون، ويختلفون، ويعملون في مجموعات، ومع ذلك يكون التعلم منضبطًا. القضية ليست في مقدار الضوضاء، وإنما في مقدار التعلم.
ومن هنا فإن المعلم يحتاج إلى أن ينتقل من إدارة «سلوك الطلاب» فقط إلى إدارة طاقة التعلم داخل الفصل. وهذه مهارة أكثر تعقيدًا من مجرد فرض الهدوء؛ لأنها تتطلب من المعلم أن يعرف كيف يوجه الحركة، وكيف يدير الحوار، وكيف يجعل الاختلاف مفيدًا، وكيف يحول النشاط إلى تعلم.
وهذا يقودنا إلى مفهوم هيبة المعلم. فالمعلم لا يحتاج إلى هيبة مصدرها الخوف، وإنما إلى هيبة مصدرها الكفاءة والعدل والقدوة. الطالب قد يخاف من المعلم الذي يستطيع معاقبته، لكنه لن يحترمه بالضرورة. أما المعلم الذي يعرف مادته، ويحسن التعامل مع طلابه، ويطبق القواعد بعدالة، ويعترف بخطئه، ويستطيع أن يلهم طلابه، فاحترامه لا يحتاج إلى عقوبة.
ولهذا فإن الحديث عن تعزيز حقوق الطالب لا ينبغي أن يتحول إلى تخويف المعلم من ممارسة دوره، كما أن حماية مكانة المعلم لا ينبغي أن تتحول إلى منح المعلم سلطة غير منضبطة. المعادلة الصحيحة ليست طالبًا أقوى من المعلم ولا معلمًا أقوى من الطالب؛ وإنما معلم يمتلك سلطة مهنية، وطالب يعرف حقوقه ومسؤولياته.
ومن هنا تأتي أهمية حق التظلم الذي يفتح بابًا جديدًا في العلاقة التعليمية. وجود قناة واضحة يستطيع الطالب من خلالها أن يعبر عن مشكلة أو يطلب الإنصاف لا ينبغي أن يكون تهديدًا للمعلم، بشرط أن تكون هناك في المقابل إجراءات واضحة تحمي المعلم من الشكاوى الكيدية، وتحمي الطالب من الانتقام، وتجعل القرار قائمًا على التحقق لا على الانطباع.
المشكلة ليست في أن يكون للطالب صوت، وإنما في ألا يكون هناك نظام يسمع هذا الصوت بعدالة.
وفي المقابل، يحتاج المعلم نفسه إلى بيئة مهنية آمنة. فمن الصعب أن نطلب من المعلم أن يكون ملهمًا ومبتكرًا ومبادرًا إذا كان يخشى كل تجربة جديدة، أو يعمل تحت ضغط إداري مستمر، أو يُقاس نجاحه بكثرة النماذج والتقارير أكثر مما يُقاس بأثره في تعلم الطلاب.
ولهذا فإن التطوير المهني الحقيقي للمعلم لا ينبغي أن يكون عددًا من الدورات التي يحضرها ثم يعود إلى الفصل بالطريقة نفسها. السؤال الأهم هو: ماذا تغير في ممارسته؟
المعلم الذي حضر عشر دورات ولم يتغير أداؤه ليس بالضرورة أكثر تطورًا من معلم حضر دورة واحدة وغيّر شيئًا حقيقيًا في فصله. ولذلك ينبغي أن يتحول التطوير المهني من «ساعات تدريب» إلى تحسين مستمر للممارسة.
وهنا تظهر مسؤولية قائد المدرسة. فإذا كنا نريد معلمًا قائدًا للتعلم، فلا بد أن تكون المدرسة نفسها بيئة يتعلم فيها المعلمون. مدرسة تسمح بتبادل الخبرات، ومشاهدة الممارسات الناجحة، ومناقشة الأخطاء، وتجريب أساليب جديدة، والاستفادة من نتائج الطلاب. فالمدرسة التي تطلب الابتكار من المعلم ثم تعاقبه على كل تجربة لن تصنع الابتكار.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه القضية أكثر إلحاحًا. فقد أصبح الطالب قادرًا على الحصول على شرح ومعلومة ومثال وحل خلال ثوانٍ. وبالتالي فإن المعلم الذي يقيس قيمته بقدرته على تقديم المعلومة فقط سيجد أن التكنولوجيا تنافسه في المجال الذي كان يحتكره. أما المعلم الذي يعلم الطالب كيف يفكر، وكيف يتحقق، وكيف يسأل، وكيف يوظف المعرفة، وكيف يستخدم الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، فستزداد قيمته مع تقدم التكنولوجيا.
فالذكاء الاصطناعي قد يستطيع أن يجيب عن سؤال الطالب، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المعلم في بناء الدافعية، واكتشاف الموهبة، وفهم شخصية الطالب، وملاحظة قلقه، وتشجيعه عندما يفشل، وتعليمه معنى المسؤولية.
ولذلك ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه مع بداية العام الدراسي ليس: هل درّبنا المعلم؟ وإنما: هل منحناه ما يحتاج إليه لكي ينجح؟ وهل أعطيناه الممكنات اللازمة للنجاح قبل أن نلومه؟
هل منحناه الوقت؟ هل وفرنا له الأدوات؟ هل خففنا ما يمكن تخفيفه من الأعمال التي لا تضيف إلى تعلم الطالب؟ هل جعلنا المدرسة بيئة مهنية يتعلم فيها المعلم؟ هل استمعنا إلى صوته عندما نصمم التغيير؟ وهل نقيس نجاحه بما يحدث للطالب، أم بما ينتجه من أوراق وتقارير؟
في النهاية، لن ينجح نظام التعليم العام الجديد داخل الوثائق، وإنما سينجح عندما يقف المعلم أمام طلابه ويترجم فلسفته إلى ممارسة يومية.
فالمعلم هو اللحظة التي يتحول فيها النظام من نص إلى تجربة.
وإذا كان هدفنا أن نصنع طالبًا مسؤولًا، فعلينا أن نصنع معلمًا يملك مساحة للمسؤولية. وإذا أردنا طالبًا مفكرًا، فعلينا أن نمنح المعلم فرصة للتفكير. وإذا أردنا طالبًا مبتكرًا، فعلينا ألا نحول المعلم إلى منفذ يخشى الابتكار.
المعلم الذي نحتاجه ليس مجرد شخص يدخل الفصل ليقدم درسًا وينهيه.
نحتاج معلمًا يقود تعلمًا، ويبني شخصية، ويكتشف موهبة، ويصنع دافعًا، ويترك أثرًا.
وهنا يكمن الفرق بين معلم يؤدي وظيفة، ومعلم يصنع مستقبلًا.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 842
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 952
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 835
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 815
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 812
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1030
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...