الوفاء الإداري - أ.د.عثمان بن صالح العامر
أ.د.عثمان بن صالح العامر
قابلت في حياتي العملية نمطين مختلفين في واقعنا المؤسسي: (إدارة وفية) تعترف بالفضل لأهل الفضل، وتبني على ما كان من منجزات خططها الآنية والمستقبلية، تجل وتحترم وتثمن جهود من سبقوا. و(إدارة جاحدة) تبدو وكأنها أول السطر وآخره، لا تعترف بفضل أحد، وتنسى جهود من سبقوا. وبين هذين النموذجين تتحدد ملامح النضج المؤسسي، بل واستدامة النجاح.
الإدارة الوفية -في نظري- ليست مجرد سلوك أخلاقي عابر، بل هي فلسفة متكاملة يؤمن بها المدير ويتبناها، تقوم على أساس الاعتراف بأن أي موقع قيادي هو حلقة في سلسلة طويلة من الجهود والتراكمات. فالمدير الوفي لا يرى في استدعاء من سبقوه أو الاستفادة من خبراتهم تهديدًا لمكانته، بل تعزيزًا لها. هو يدرك أن احترام التاريخ المؤسسي يمنحه شرعية أعمق، ويُكسب قراراته بعدًا أكثر اتزانًا. هو لا يخشى المقارنة بينه وبين من سبقوه لأنه واثق بأن الإضافة لا تُلغي ما قبلها، بل تكمله. على النقيض، تنشأ الإدارة الجاحدة من شعور خفي بعدم الأمان. فهي ترى في كل من سبقها منافسًا لها حتى وإن غادر المشهد. لذلك فهي تسعى لطمس الإنجازات السابقة، أو التقليل من قيمتها، أو حتى تجاهلها تمامًا، والأشد من ذلك والأنكى شخصنة الرؤية للسابقين ومن ثم السعي لتشويه سمعتهم، ولمزهم، وربما اتهمهم بما ليس فيهم من أجل تلميع الذات، فهي تعتقد أن إبراز الماضي يضعف الحاضر، بينما الحقيقة أن تجاهل الماضي يُفقد الحاضر جذوره. فالمؤسسة التي تُدار بعقلية القطيعة مع تاريخها، تعيش دائمًا في حالة «إعادة اختراع العجلة»، وتدفع ثمن ذلك من وقتها ومواردها وسمعتها.
الإدارة الوفية تفهم أن دعوة من سبق من المدراء لمناسباتها الرسمية والاجتماعية، أو استشارتهم، أو حتى تكريمهم، ليس تقليلًا من شأن المدير الحالي، بل هو إعلان ثقة بالنفس. فالمدير الواثق لا يخشى أن يُقال إن النجاح امتدادا لجهود الآخرين، لأنه يدرك أن الإدارة ليست بطولة فردية، بل عمل تراكمي. وهذه الممارسات تخلق بيئة صحية داخل المؤسسة، تُشجع على التعاون، وتُرسخ ثقافة الاعتراف، وتُحفز الكفاءات على العطاء دون خوف من النسيان أو التهميش.
ومن زاوية أخرى، فإن الإدارة الوفية تُسهم في بناء «الذاكرة المؤسسية»، وهي أحد أهم الأصول غير الملموسة في أي مؤسسة حكومية أو خاصة. هذه الذاكرة تختصر سنوات من التجارب، وتمنح صناع القرار أدوات أفضل لتجنب الأخطاء المتكررة. حين يُقصى من سبق، تُفقد هذه الذاكرة، وتتحول المؤسسة إلى كيان يعاني من فقدان الخبرة التراكمية، مهما امتلك من موارد أو تقنيات.
نعم ليس المطلوب من الإدارة الحالية أن تعيش في ظل الماضي أو أن تُقيد نفسها بقرارات من سبقوا، بل المطلوب هو التوازن: أن تُنصف الماضي دون أن تُستعبد له، وأن تبني المستقبل دون أن تُنكر جذوره، وأن تحترم الكوادر الإدارية التي مضت وتقدر جهودها ولا تشوه سمعتها وإن اختلفت معها في سلوكها الإداري.
إن الفرق بين الإدارة الوفية والجاحدة ليس فقط في طريقة النظر إلى من سبق، بل في طريقة النظر إلى الذات. فالأولى ترى نفسها امتدادًا لمسار طويل، فتتصرف بثقة واتزان، بينما الثانية ترى نفسها بداية كل شيء، فتتصرف بقلق ومحاولة مستمرة لإثبات الذات على حساب الآخرين. وبين هذا وذاك، تختار المؤسسات مصيرها: إما أن تكون كيانًا متجذرًا ينمو بثبات، أو مشروعًا مؤقتًا يعيد أخطاءه في كل دورة جديدة. دمتم بخير، وإلى لقاء، والسلام.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 671
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 779
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 649
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 643
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 639
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 844
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...