الخميس, آب/أغسطس 13, 2026

All the News That's Fit to Print

خالد محمد الدوس

في زحمة الحياة العصرية وانشغال الإنسان بسباق التطور والتقدم، يغفل الكثيرون عن أعظم كنز نملكه على وجه الأرض، ذلك الكنز الذي يحيط بنا من كل جانب، ويمنحنا الحياة بكل تفاصيلها، إنها بيئتنا التي وهبنا الله إياها أمانة في أعناقنا، وجعلها مسخّرة لنا، فهل نحن حقاً مدركون لقيمة هذا الكنز الثمين؟

البيئة ليست مجرد أشجار تتنفس، أو مياه تجري، أو هواء نتنفسه..!، إنها نظام متكامل بديع الصنع، يضم في طياته ملايين الأنواع من الكائنات الحية، ويوفر للإنسان مقومات الحياة من غذاء وكساء ودواء. إنها المعين الذي لا ينضب، والملجأ الذي نلوذ إليه حين تضيق بنا الأرض بما رحبت. ففي جمال الطبيعة سكينة للنفس، وفي تنوع الكائنات درس في التوازن، وفي تعاقب الفصول حكمة إلهية تتجلى كل يوم.

يتكون هذا الكنز العظيم من عناصر متكاملة، لكل منها دوره الحيوي في استمرارية الحياة. فالماء هو سر الحياة، ذلك السائل العجيب الذي يشكل أكثر من سبعين بالمائة من كوكبنا، وهو الشريان الذي يمد كل كائن حي بالحياة. والهواء النقي هو نسمات الرحمة التي تملأ رئاتنا فتغذي خلايانا، والتربة هي (الأم الحنون) التي تمنحنا الغذاء وتحتضن بذورنا فتنبت خيراً وعطاءً.

والأغرب في أمر هذا الكنز أنه متجدد، ولكنه ليس بلا حدود، فهو كالنبع الذي إن أحسنا رعايته زاد عطاؤه، وإن أسأنا إليه نضب أو تلبد. والتنوع الحيوي في بيئتنا هو ثروة لا تقدر بثمن، فكل كائن حي، مهما كان صغيراً، له دوره في دورة الحياة، وفي الحفاظ على التوازن البيئي الذي نعم به.

إن قيمة البيئة تتجاوز كونها مجرد مصدر للطعام والشراب، فهي تمتد لتشمل الجوانب الروحية والنفسية والاقتصادية.فمن منا لم يشعر بالسكينة والطمأنينة وهو يتأمل غروب الشمس خلف الجبال..! أو يستمع إلى خرير الماء في جدول، أو يشم عبير الزهور في حديقة غناء؟ الطبيعة هي ملاذ النفس البشرية، وهي الملهم الأول للفنانين والشعراء والفلاسفة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن البيئة هي الأساس الذي يقوم عليه (الاقتصاد الأخضر)، فمواردنا الطبيعية هي رأس مالنا الحقيقي، والاستثمار فيها بحكمة يضمن لنا مستقبلاً مزدهراً. السياحة البيئية، والزراعة المستدامة، والطاقة المتجددة، كلها قطاعات واعدة تعتمد على بيئة سليمة متوازنة.

ولكن، ها هي أيادينا العابثة تمد إلى هذا الكنز، فتلوث مياهه، وتفسد هواءه، وتقطع أشجاره، وتصيد حيواناته. إن التلوث البيئي بجميع أنواعه، من تلوث الهواء والماء والتربة، إلى التلوث الضوضائي والبصري، كلها تهدد وجود هذا الكنز الثمين. والتغير المناخي الذي نشهده اليوم، بارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الجليد، وزيادة حدة العواصف والفيضانات، هو نتيجة حتمية لسوء تعاملنا مع بيئتنا.

نحن نستهلك موارد الأرض وكأننا نملك غيرها، وننتج نفايات تفوق قدرة الطبيعة على تحليلها، ونطلق غازات تهدد الغلاف الجوي. وفي غمرة انشغالنا بتحقيق الرفاهية المادية، ننسى أن هذه الرفاهية لا معنى لها في بيئة مريضة، فالصحة البيئية هي أساس صحتنا جميعاً، وما يصيب بيئتنا من خلل لا بد أن ينعكس على صحتنا النفسية والجسدية.

إن الحفاظ على بيئتنا ليس خياراً، بل هو واجب ديني وأخلاقي وإنساني. لقد حثنا ديننا الحنيف على عدم الإفساد في الأرض، وقال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فليغرسها»، هذا يدل على عظمة الأجر في العمار والإصلاح، حتى في آخر لحظات الحياة.

ومن مسؤوليتنا تجاه هذا الكنز أن نغير نمط حياتنا، وأن نتبنى مبادئ الاستدامة في كل شئوننا. فترشيد استهلاك المياه والطاقة، والحد من استخدام المواد البلاستيكية، وإعادة التدوير، ودعم المنتجات الصديقة للبيئة، كلها خطوات بسيطة لكنها مؤثرة. كما علينا أن ننشر الوعي البيئي بين أبنائنا وأفراد مجتمعنا، وأن نطالب المؤسسات والشركات بتبني سياسات صديقة للبيئة.

وهكذا تظل (بيئتنا) أغلى ما نملك، ووعينا بحمايتها هو»الاستثمار الحقيقي» الذي لا يخسر. فالمال ينفد، والعمر يمضي..! لكن الأثر الذي نتركه في أرضنا يبقى شاهداً على حضارتنا. فلنكن (حراساً أوفياء) لهذا الكنز، لا مسرفين فيه، ولنعمل جميعاً بصوت واحد وفعل واحد من أجل مجتمع أكثر خضرة ونقاءً.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...