الثلاثاء, أيلول/سبتمبر 01, 2026

All the News That's Fit to Print

فضل بن سعد البوعينين

لم تكن إيران قادرة على الصمود أمام العقوبات الدولية والأميركية لأكثر من أربعة عقود، لولا قدرتها الفائقة في الالتفاف عليها، بعد أن أنشأت شبكات ظل لتعاملاتها المالية، والنفطية، والتجارية، بالتعاون مع شركائها في المنطقة، أمَّنت من خلالها احتياجاتها، ومكنتها من مواصلة عدائيتها، وتهديدها المنطقة، وأمن الطاقة والاقتصاد العالمي.

مئات المليارات من الدولارات تتدفق من خلال تلك الشبكات، دون أن تتحرك الرقابة الدولية، والأمريكية لكشفها ووقفها، ومحاسبة القائمين عليها والمشاركين فيها. إقصائها من نظام التحويل المالي العالمي SWIFT ومنعها من التعامل بالدولار الأمريكي، لم يَحُلْ دون تنفيذ معاملاتها المالية بالدولار الأمريكي، وفتح الاعتمادات المستندية لتغطية مشترياتها، وبيع النفط، وإدارة استثماراتها الضخمة حول العالم. كما أنها وجدت في عملات، والشبكة المالية لدول مجموعة بريكس ملاذاً لعقد صفقاتها وتبادلاتها التجارية، وتسوية مدفوعاتها، وبيع النفط، وإيجاد بديل موازٍ للدولار.

وعلى الرغم من حرص البنوك والمؤسسات المالية على عدم مخالفة العقوبات الأمريكية، خشية العواقب، لم يستطع بعضها مقاومة إغراء الأرباح الضخمة التي يمكن الحصول عليها من المعاملات المالية الإيرانية، وربما الرشى التي يحصل عليها التنفيذيون، والوسطاء. الأمر عينه ينطبق على بعض الدول التي وفرت منصات مالية للتعاملات الإيرانية، والتي غضت الطرف عن المخالفات التي ترتكبها المؤسسات المالية الخاضعة لرقابة وإشراف بنوكها المركزية، طمعاً في التدفقات المالية والاستثمارية، والرسوم، والضرائب، وتعظيم الأصول، وتعزيز حركة التجارة البينية وتشغيل الموانئ. إغراء الشراكات التجارية والمكاسب المرتفعة، حجب رؤية تلك الدول عن المخاطر القانونية، والتداعيات المتوقعة على أنظمتها المالية، وسمعتها الدولية، وربما العقوبات التي ستطبق عليها. إجراء بعض البنوك المركزية تفتيش عاجل ومتعمق على مصارف اتهمتها وزارة الخزانة الأمريكية بمخالفة العقوبات الأمريكية، إجراء متأخر، وردة فعل مباشرة للاتهامات الأمريكية. فالرقابة الدائمة من أهم مهام البنوك المركزية، ومن المستبعد أن تتم تلك التعاملات المالية الضخمة من خلال فروع مصارف أجنبية دون معرفة البنك المركزي بها. كما أن التجاوزات المالية المرتبطة بإيران، يمكن للعامة اكتشافها دون تدقيق معمق، ودون أن تكون لديه خبرات مصرفية. هناك فروع لبنوك إيرانية منتشرة في المنطقة، ستطالها العقوبات قريباً، ودول ستضطر لدفع غرامات ضخمة لشراكتها الاقتصادية والمالية مع إيران.

ما بعد الحرب الاقتصادية لن يكون كسابقها. فالعقوبات السابقة لم تتصف بصرامة التنفيذ، ولم تتوقف إيران عن تصدير النفط، والتعامل بالدولار الأمريكي من خلال شركائها، وتأمين احتياجاتها بكل يسر وسهولة. كما أن شركاء إيران استمروا في توفير منصات مالية لها، وعقد صفقات تجارية نيابة عنها، وتأمين وارداتها المختلفة، بما فيها منتجات وقطع غيار عسكرية، دون أن تطالها العقوبات، أو حتى الإنذار من المسؤولين الأمريكيين الذين كانوا على اطلاع بشبكات الظل المالية والتجارية والنفطية.

الحقيقة أن أمريكا لم تكن عاجزة عن تحديد المخالفات في حينها، وبنكها الفيدرالي يتحكم في جميع الحوالات المنفذة بالدولار الأمريكي، إضافة إلى قدرتها الفائقة في كشف وجمع المعلومات المالية، حول العالم، حين تنفيذها، من خلال شبكة عملائها المنغمسين في المنظمات الدولية والشركات العالمية، وشركات الاستشارات، والتكنولوجيا، والقطاعات المالية، وغيرها، وربما ساهم عملاؤها المتخفون، في فتح قنوات مالية بديلة ومساعدة الإيرانيين على تجاوز بعض العقوبات لأهداف محددة، ومنافع مستقبلية تفوق بكثير الضرر المترتب على تنفيذ تلك المخالفات المالية.

لن تتوقف الحرب الاقتصادية التي تشنها أمريكا عند إيران فحسب، بل ستتجاوزها لتصل إلى بعض شركائها المنغمسين في تعاملاتها التجارية والمالية والاستثمارية، من الدول والمسؤولين والمؤسسات المالية، وستفتح الملفات القديمة، وستطال عقوبات وزارة العدل ووزارة الخزينة الأمريكية، جهات مختلفة كانت تعتقد أن لديها حصانة من المساءلة الأمريكية، نظير خدماتها السخية، وتدفقاتها الاستثمارية، وشراكاتها الاستخباراتية والتآمرية.

لا حصانة دائمة لدى الأمريكيين، بل حصانة مؤقتة لتحقيق أهداف إستراتيجية محددة، تُلغى بإنجازها الحصانات السابقة، وتُنسى جميع الخدمات السخية المقدمة. وأحسب أن فترة حضانة النظام الإيراني قد انتهت، وانتهت معها الحصانات المؤقتة، وفترة الصمت عن التجاوزات القانونية، وبدأت مرحلة الحساب والعقاب، التي تنبه لها بعض شركاء إيران فبدأوا في تنظيف ملفاتهم، وتقديم أكباش فداء لتجاوز المحنة، وتجاهلها آخرون. وفي الحالتين، ستكون التداعيات القانونية والمالية والسياسية، قاسية على الشركاء التجاريين، بالتزامن مع الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة على إيران، وستتحول شبكات الظل المالية والنفطية إلى شبكات لاصطياد كل من ساهم في دعم إيران ومساعدة النظام الإيراني على اضطهاد شعبه، وتهديد دول المنطقة، وأمن الطاقة والاقتصاد العالمي.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...